يساريون يحتجون على مرسي ويصفقون للأسد

لم يكتف إخواننا اليساريون بمعاداة مشروع “الاسلام السياسي” الذي وصل الى السلطة في مصر وتونس، ولم يتوقفوا عند حدود الخصومة السياسية المشروعة التي تسمح للأطراف “الوطنية” باحترام الاختلاف والاحتكام الى الصناديق التي تفرز خيارات الناس، دون المساس “بالمصالح الوطنية” أو تقويض ما أنجزته الشعوب العربية في ثوراتها وتحولاتها، وانما تجاوزوا ذلك الى الوقوف في صف “الأنظمة” التي تقتل شعوبها، ومباركة مواقفها والتصفيق لدباباتها وطائراتها التي تقصف المدنيين الأبرياء بلا رحمة.
عجيب أمر هؤلاء الذين ذهبوا لدمشق لكي “يلبسوا” الزعيم القاتل “عباءة” المروءة والشجاعة والشهامة، وعجيب امر اولئك الذين ترددت اصداء احتجاجاتهم امام السفارة المصرية انتصارا لميليشيات “التحرش” التي تريد اسقاط نظام “الاسلاميين” في مصر، ويا لها من مفارقة بالطبع، ان من قام بالمبادرتين المغشوشتين محسوبون على ذات الخط السياسي، فهم يستنكرون في عمان ما فعله الاسلاميون في مصر، وهم في دمشق يهللون لما فعله “الأسد” في سوريا، وكأن جريمة “الاسلاميين” في الحكم تقارن اصلا بجريمة “الزعيم” الممانع بحق السوريين.
كدنا نصدقهم قبل شهر حين طرحوا انفسهم “كبديل” للاخوان المسلمين، لكن الصناديق كشفت أوزانهم في الشارع، وكدنا نصدقهم قبل عامين حين خرجوا الى الشارع للمطالبة بالإصلاح، لكن القيم التي بشرونا بها تبخرت فورا حين “هبت” الثورة في سوريا، حينئذ تراجعوا عن دعواتهم، وطلقوا “الاحتجاجات الوطنية” وانحازوا الى صف النظام “الأسدي” الذي رأينا ردوده على مطالب شعبه في جثث الشهداء واللاجئين والمعتقلين.. والبلد الذي تم تدميره بالكامل دفاعا عن “حكم” الأقلية التي خيرت الناس بين “الأسد” وبين “البلد”.
على مدى الشهور السابقة وانا أتابع ما يكتبه إخواننا في اليسار عن الثورات و”الإسلاميين” و “مشروع الاصلاح” في بلدنا، و”الانتخابات” التي شاركوا فيها وخرجوا خاسرين، وكنت اعتقد ان “الخجل” سيدفعهم الى الصمت، أو أن “الإنصاف” سيجعلهم اكثر انحيازا للشعوب التي تناضل من اجل حقوقها.
وكنت أعتقد أيضا أن تجاربهم الفاشلة يمكن ان تعيد اليهم نوعا من المصارحة مع انفسهم، او ان تدفعهم الى التصالح مع اشقائهم في الجماعة الوطنية، لكن - للأسف - لم يحصل ذلك. بل على العكس من ذلك تماما “نفخ” هؤلاء ريشهم ووظفوا إمكانياتهم الإعلامية لتجريح الآخرين واتهامهم بالعمالة والانقضاض على خصومهم بلا هوادة، الأمر الذي استدعى الخروج عن الصمت، وإعادة التذكير بالحقائق الغائبة.
هذه التي تكشفها مواقف هؤلاء ابتداء مما يحدث في تونس من توظيف مسموم لاغتيال عبيد وما يحدث في مصر من تشويه للإسلاميين والانقلاب عليهم وانتهاء بزيارة عدد من المحسوبين على هذا التيار - باسم الإردنيين ونقاباتهم - الى دمشق.. وما سمعناه منهم من اشادات بالنظام التي تلطخت يداه بدماء السوريين.
كان يمكن لإخواننا في اليسار أن يكونوا أكثر “ذكاء” في التعامل مع “خساراتهم” ومع انكشاف مواقفهم أمام الرأي العام الذي انتصر لغيرهم، لكنهم - للأسف - ما زالوا مصرين على الاستخفاف بعقول الناس، وعلى كشف مواقفهم الحقيقية من مطالب مجتمعاتهم وقضاياهم المصيرية.. وعلى تأكيد عداوتهم لكل ما يتصل بالأمة وتراثها وقيمها وحقها في الحرية والكرامة.
( الدستور )