عن سامر العيساوي والأسرى وحرب الأمعاء الخاوية

مرت أكثر من سبعة أشهر وسامر العيساوي يخوض إضرابه المفتوح عن الطعام من أجل الإفراج عنه، ومعه أيمن الشراونة وآخرون، لكن الاحتلال لا يزال مصرا على العناد، فيما يبدو أنها محاولة لكسر إرادتهم، ومن ورائهم جحافل الأسرى الذين توالت إضراباتهم الفردية والجماعية على نحو أثار قلق الصهاينة، لاسيما بعد الإضراب الكبير الذي خاضه معظمهم وانتهى قبل 9 شهور، بعد انتزاع جملة من التنازلات من الاحتلال أهمها إنهاء حالة العزل الانفرادي لكبار الأسرى، وإن أخذ كعادته في نكث العهود بالتراجع عن بنود الاتفاق، وفي مقدمتها وقف التمديد للمعتقلين الإداريين، وهو السيف الذي يسلطه الاحتلال على رقاب المناضلين والنشطاء الفلسطينيين منذ عقود (الاعتقال الإداري يعني الاعتقال التحفظي أو الاعتقال دون تهمة محددة لمجرد خطر ما يشكله المعتقل على أمن الاحتلال ومصالحه).
أكثر من 7 أشهر وسامر العيساوي يخوض إضرابه عن الطعام، وكذلك أيمن الشراونة، ومن ورائهم بضعة أسرى بمدد أقل من ذلك، فيما يستخدم الاحتلال قدراته الطبية المتميزة (قدرات لا تظهر مع الأسرى إلا في هذه الحالات، بينما يُتركون نهب الإهمال والموت في الحالات الأخرى)، يستخدمها في الحيلولة دون موت سامر، ذلك الذي لم يتبقّ من وزنه سوى 45 كيلو غراما لا أكثر.
يحدث ذلك بعدما تمكن عدد من الأسرى من خلال معركة الأمعاء الخاوية من تحرير أنفسهم، ابتداءً بالبطل خضر عدنان، وانتهاء بأكرم الريخاوي الذي خرج مؤخرا، لكن ما تنبغي الإشارة إليه هنا هو أن جميع الذين حصلوا على الإفراج بعد الإضراب عن الطعام هم من الذين ظلمتهم قوانين الاحتلال وليس أولئك الذي يعتبر نفسه قد أنصفهم، وهو فرق كبير، بمعنى أن الذين أفرج عنهم لم يكونوا إلا من المعتقلين الإداريين الذين جرى التمديد لهم دون مبرر، أو ممن ظلموا في تطبيق القوانين، كما هو حال الريخاوي مثلا (من أبناء القطاع) الذي رفض المحتلون التعامل معه بقانون ثلثي المدة رغم ما يعانيه من أمراض، فخاض إضرابا طويلا عن الطعام أفضى إلى الإفراج عنه، فقط قبل شهور من نهاية مدته بعد 8 سنوات من الاعتقال.
لا يتسامح الاحتلال مع حالات المحكومين، لاسيما الخطرين منهم، ولو خاض أصحاب المؤبدات مثلا إضرابا عن الطعام، لما استجاب لهم الاحتلال، ولو أبقاهم قيد العناية الطبية لسنوات (ربما باستثناء من يتضح له أنهم على وشك الموت لاعتبارات طبية واضحة)، وهنا يتذرع الاحتلال بقوانينه التقليدية. لكن الموقف يمكن أن يتغير لو شعر الاحتلال أن قضية الأسرى يمكن أن تفجر انتفاضة جديدة تحرمه الأمن الذي تمتع به لسنوات كما لم يتمتع به في تاريخه كله، وتشكل محطة تحرير تلتحم بربيع العرب.
في أي حال، فإن مسألة الأسرى وأسلوب معاملتهم تبدو جزءا لا يتجزأ من الوجع الفلسطيني، بل لعلها الجرح الأكثر إيلاما حتى من الشهداء أنفسهم، وقد ثبت أنه من دون صراع مرير مع الاحتلال، فلن يكون هناك إفراج عنهم، بدليل تجربتي التحرير الشهيرتين (الأولى للقيادة العامة مطلع الثمانينات، والثانية لحماس قبل عامين). أما الأهم فيتمثل في أن الأسرى لن يكونوا سعداء بالإفراج عنهم مقابل التنازل عن القضية التي من أجلها ناضلوا وسجنوا، وهم يكونون أكثر قوة وحيوية حين تشتعل المقاومة التي تبشرهم بالانتصار، بدل حالة الاستجداء التي لا تبشرهم سوى بتضييع قضيتهم الكبرى.
لقد أراد المحتلون من خلال سياسات التعامل مع المعتقلين أن يجعلوا الأسر محطة لكسر إرادة الفلسطيني، لكن الأبطال تمكنوا من إفشال مخططه عبر تحويل السجون إلى محطات نضالية؛ ومحطات علمية أيضا، من دون أن يقلل ذلك من معاناتهم ومعاناة أسرهم وعائلاتهم التي يقدرها سائر أبناء الشعب والأمة.
يوميا يسعى المحتل من خلال سوء المعاملة والإجراءات الفاشية اليومية من تفتيش ومداهمة للغرف والزنازين والأٌقسام؛ يسعى لكسر إرادة الأسرى، لكنهم يتمردون، ويصل الحال بأربعة منهم (من أصحاب الأحكام العالية) أن يهرّبوا نطفا لزوجاتهم كي يحملن منهم، وذلك بعد أن نجح الأسير القسامي البطل عمار الزبن (26 مؤبدا) من تهريب نطفة منه لتحمل زوجته وتنجب قبل 6 شهور طفلا جميلا صار الأشهر في فلسطين، واسمه مهند.
باسم شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية يخوض أسرانا معركتهم اليومية مع القتلة؛ سبقهم وسار معهم جحافل من أروع الشهداء، ولن يتمكن الاحتلال من كسر إرادتهم، تماما كما سيعجز عن كسر إرادة الفلسطيني التي يُراد لها أن تيأس وتقبل بالحلول المشوهة، وقبل ذلك أن تقبل بالتعاون مع الاحتلال تحت مسمى التنسيق الأمني، وذلك في انتظار تنازلات يعلن المحتلون ليل نهار أنها لن تأتي أبدا.
يوم أمس كانت جمعة “كسر الصمت” دفاعا عن الأسرى المضربين عن الطعام، وقد أبلى فيها أبناء شعبنا بلاءً حسنا، ولو قيود التنسيق الأمني لكان المشهد أكثر قوة، ومن ثمَّ أكثر قدرة على إثارة رعب الصهاينة. ( الدستور )