عمر الرزاز في المختبر

لدى الدكتور عمر الرزاز ورقة شهيرة بعنوان "من دولة الريع الى دولة الانتاج"، قدّم فيها رؤيته على المستوى العربي، وقد ظل يطورها في العديد من اللقاءات، ثم نشرها كمسودة غير مكتملة للنقاش، أي لكي تأخذ مداها باعتبارها مشروعاً لا مجرد بحث او دراسة فردية، وهذا بالطبع أسلوب فيه قدر كبير من احترام عقول الناس.
الدكتور الرزاز اليوم في موقع تنفيذي ذي صلة بموضوع الريع والانتاج. ومع ضرورة الإشارة مسبقاً الى أنه يوضح بشكل مباشر في ورقته ان التحول من دولة الريع الى دولة الانتاج هو مشروع كلي يتناول الاقتصاد والسياسة والمجتمع، غير انه يمكن، بقدر قليل من المبالغة، الحديث عن أن منصب الدكتور الحالي يشبه المختبر التنموي، حيث يمكن تجريب الأفكار وامتحان صحتها ولو على المستوى التفصيلي، وخاصة في سياق اقتراحه بأن يكون الريع في خدمة الانتاج.
خلال السنوات الماضية، قامت وزارة التخطيط بمحاولات متواصلة في ميدان التنمية على المستوى المحلي (المحافظات خاصة)، بل إن في الوزارة قسماً اسمه الرئيسي "تعزيز الانتاجية"، وقد أنشئ منذ اكثر من عشر سنوات، ولكن النتائج غير سارة على الاطلاق. لقد سقطت برامج الوزارة على المجتمعات المحلية "من أعلى"، وفي أحسن الأحوال تعامل الناس معها باعتبارها حصصاً أو معونة للاستهلاك الفوري، حتى لو كان "استهلاكاً استثمارياً" (سوف أسمح للوزارة بحيازة حق الملكية الفكرية لمفهوم الاستهلاك الاستثماري هذا). وفي زمن لاحق قامت وزارتا الزراعة والشؤون البلدية بمحاولات شبيهة في ميدان التنمية المحلية، وكانت أكثر فشلاً وأقل شهرة.
لا بديل عن الالتقاء مع خبرة الناس على المستوى المحلي في شتى ميادين مواجهة الحياة ومنها نظرتهم الى العمل والانتاج. ويخطئ من يظن ان الاعتماد على الريع و"الحصص" هو أمر متأصل عند الأردنيين على المستوى المحلي. وبمقدور من يريد أن يعود الى التاريخ الاجتماعي القريب لأي قرية أردنية.
إن السلطة المركزية ككل تعد ظاهرة جديدة في الأردن، والناس لم يكونوا فقط غير متطلبين منها، بل ظلوا لعدة عقود ينظرون اليها كمتطفل على نمطهم الانتاجي، والتفاصيل في هذا المجال كثيرة، وهي هامة وذات أثر مستمر حتى اليوم، فالذاكرة في هذا المجال لا تموت ولا يموت تأثيرها.
وباختصار من الجائز القول أن المجتمعات المحلية كانت منتجة بامتياز، أو ربما "منتجة ومكثرة"، لقد كانت الأسرة الفلاحية تتابع المحصول "بالحبة"، بالمعنى الحرفي للكلمة.
وعدت بالاختصار، ولهذا سوف أختم بما يلي: إن الخلل في المحاولات السابقة للتنمية على المستوى المحلي، يكمن أساساً في الاتجاه الذي يسلكه التخطيط، حيث جرى إعداد الخطط "من أعلى"، من دون أدنى علاقة مع الثقافة المحلية، فضلاً عن انها كانت خططا وأفكاراً مصاغة عبر البحار بمفاهيم "عالمية" يرى أصحابها انها تصلح في كل الأمكنة.
واليوم لماذا لا تكون الخطط متجهة من الأسفل للأعلى، أو على الأقل لماذا لا يحاول المخططون والمنفذون ان يلتقوا مع الناس في منتصف الطريق؟ جربوا الثقة بأن لدى الناس ما يمكن البناء عليه، فالمسألة بالنسبة لهم هامة لأنها مسألة بقاء وكرامة، ومن المرجح ان لديهم ما يقولونه في ذلك. ( العرب اليوم )