داود أوغلو «وقوة الحق»

تنطلق نظرية أحمد داود أوغلو في الإسلام السياسي من مفهوم أساسي، بناء على تجربة السلطنة العثمانية، هو «قوة الأمر الواقع»، و»قوة الحق الأصيل». أما الأمر الواقع فهو، في معنى من المعاني، قوة الدولة أوالسلطة السائدة. والحق الأصيل هو التراث، أو التاريخ الكامن في الوجدان الجمعي ويحتاج إلى محرك كي يخرج من حالة الكمون ويكون فاعلاً، أي يحتاج إلى حزب. ويحذر منظر العثمانية الجديدة من المغامرة خلال الصراع مع قوة الأمر الواقع من دون استعداد كافٍ، ويقول: «عليك درس موازين القوى قبل أي تحرك». بعبارة أخرى تقوم هذه النظرية على مفهوم «التمكين» في خطاب «الإخوان المسلمين». أو ما أصبح يعرف بـ»خبث وانتهازية» الحركات الإسلامية عموماً.
وأفاد داود أوغلو في نظريته من مؤسس الحزب الإسلامي في تركيا (تغير اسمه مرات عدة) نجم الدين أربكان الذي لم يأخذ في الحسبان قوة الأمر الواقع، أي الجيش والدولة فكان مصيره الفشل. أما أردوغان فبقي، منذ وصوله إلى رئاسة بلدية إسطنبول إلى تسلمه السلطة في أنقرة، يعد العدة للانقضاض بـ»قوة الحق» على الدولة. عين مؤمنين بهذه القوة في وظائف ومراكز حساسة، وأعاد الثقة بالعثمانية، بعدما كانت عقدة نقص ومثالاً للتخلف والاستبداد، إلى أن «تمكن» فغير القوانين كي ينتخبه الشعب، بعدما تحدى الجيش والقضاء والمؤسسات الأمنية، فقبض على رئاسة الجمهورية بـ»قوة الحق». وعين صديقه رئيساً للوزراء، بموافقة الحزب الذي يمثل هذه القوة. غير مكترث بالأحزاب الأخرى، ولا برأي معارضيه.
أعلن أردوغان أن داود أوغلو لن يكون رئيس وزراء «انتقالياً». وسيستمر في تنفيذ الخطط السياسية الداخلية والخارجية التي وضعها معه، فيما أكد منظر العثمانية الجديدة ولاءه المطلق لرئيسه «حتى الموت». وقال: «لن تنمو بذرة خلاف بين رفيقين».
على الصعيد الداخلي سيواصل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معركتهما للتخلص من «أعداء الدولة»، أي جماعة فتح الله غولن «المتآمرة» على حزب «العدالة والتنمية»، والأحزاب العلمانية، خصوصاً حزب الشعب الجمهوري الذي ما زال متمسكاً بتراث أتاتورك. وسيمكنان حزبهما من الإمساك بمفاصل الدولة أكثر، مع ما يعنيه ذلك من إقصاء مسؤولين من طائفة بعينها. والجميع يتذكر المعركة التي خاضها أردوغان مع قادة الجيش وقوات الأمن والاتهامات التي وجهها إلى الجنرالات الكبار بالتآمر والتخطيط للانقلاب عليه، وما كان من نتائج لهذه الاتهامات، على مستوى التغيير في القيادة العسكرية، وإبعادها عن التدخل في الصراعات السياسية، ونزع سلطتها في «حماية العلمانية».
وفي برنامج الرجلين أيضاً الاستمرار في الانفتاح على الأكراد، بالتعاون مع زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان، ومع مسعود بارزاني، وإعطاؤهم بعضاً من حقوقهم لإنهاء الصراع الدموي معهم في تركيا وتوجيه عدائهم إلى العراق وسورية، وإيران إذا أمكن. أي أن التعاون بين أنقرة وبغداد ودمشق وطهران لمواجهة الطموحات الكردية أصبح من الماضي.
هذه بعض الخطوط العريضة لبرنامج أردوغان وداود أوغلو على الصعيد الداخلي. أما على صعيد السياسة الخارجية، وهي دائماً امتداد للسياسة الداخلية، فسيستمران في استعادة العثمانية بنسختها التي جددت الصراع الطائفي والمذهبي. ويمكن العودة إلى خطب أردوغان لتأكيد ذلك، فهو يرى نفسه جديراً بتعيين الولاة، مثلما كان يفعل السلطان، يصادق هذا ويعادي ذاك ويسعى إلى عزله. كما يسعى إلى تكوين حلف جديد يعادي مصر وسورية والعراق والسعودية، ويهادن إيران (إلى أن يتمكن). أي أنه مصر على الأخطاء التي ارتكبها، طوال السنوات الماضية، وحولت، مع عوامل أخرى، الإقليم إلى بؤرة للإرهاب، باسم «قوة الحق الأصيل». هذه القوة التي تمثلت بـ»جبهة النصرة» و»داعش» و»الجيش السوري الحر» وفروعها. لكن يبدو أن تركيا أردوغان لم تحسب موازين القوى جيداً، أي لم تأخذ «قوة الأمر الواقع» في الاعتبار فطاول الصراع وكاد يصل إلى إسطنبول. ولم يعد نهب النفط السوري المهرب ولا التدريب أو التسليح كافياً لرد خطر هذه الجماعات.
(الحياة 2014-08-30)