مصر على خطى أتاتورك

لتركيا ومصر أثر بارز ودور كبير في أحداث المنطقة وخارطتها السياسية. فلكل منهما تاريخ حافل بأحداث جسام، احتضنت تركيا (الدولة العثمانية) السلطنة ثم الخلافة الإسلامية لستة قرون، اختلطت خلالها عناصر القوّة والعزّة والمنعة بعناصر الضعف والتقهقر والاضمحلال. وكانت مصر خلالها قلب العروبة والإسلام النّابض بالقوّة والحيويّة والحركة والنهضة بمختلف مجالاتها. ولدى الدولتين شَبَه كبير بسعة المكان وعدد السكان، ولكليهما موقع استراتيجي هام وخطير، يربط بين قارتين ويتحكّم بمعابر مائية هامة. وازداد الأمر أهمية وخطورة مجاورتهما للموقع المحتمل إقامة كيان يهودي على أرضه. حرصت الدول الكبرى الراعية للمشروع اليهودي منذ بدايته حتى الاعلان عن قيام كيانه ألا يتجذّر في كلا البلدين مشروع إسلامي لتعارض ذلك مع احتمالية قيام مشروع يهودي، فكلا المشروعين متضادّان ونجاح أي منهما مؤذن بزوال الآخر.
اتجه الحل الأممي لضمان هذا الأمر، بفرض المشروع العلماني في كل منهما، مباشراً وبالقوّة في تركيا ومتدرّجاً وسلمياً في مصر. بدأ التخطيط للمشروعين منذ أخريات القرن التاسع عشر والسير بخطواته التنفيذية في مفتتح القرن العشرين، تزامنا مع أحداث الحرب العالمية الأولى التي استغلت أحداثها للتأسيس للمشروعين معاً، اليهودي في فلسطين والعلماني في تركيا. ومن هنا كان إقحام الدولة العثمانية (تركيا لاحقاً) في حرب عالميّة لا ناقة فيها ولا جمل، فقط لأن المنطقة المستهدفة وطناً لليهود، وهي فلسطين، كانت جزءاً من ممتلكاتها وحتى تشملها تسويات الحرب عند نهايتها. استُغلت مجريات الحرب وتسوياتها لإبراز شخصية تركية باعتبارها الزعيم المخلّص والقائد الملهم والمنقذ الأعظم بل الإله المعبود من دون الله، بعد مسرحيّة انسحاب قوات دول الحلفاء الأربع التي احتلّت استانبول وأجزاء من تركيا أمام قوّة رمزيّة غير نظاميّة يقودها ضابط مغمور، مصطفى كمال، مما أكسبه سمعة وشهرة وحصانة تؤهلّه أن يفعل بتركيا ما يشاء ولو أدّى الأمر إلى سلخ تركيا عن دينها وفصلها عن جذورها وتغيير هويتها وكافة ملامحها وإلباسها قسراً رداءً غربياً ملحداً أسموه علمانيّة تمهيداً لايجاد البيئة المناسبة لاستزراع المشروع اليهودي.
أصبح الزعيم التركي رمزاً للعديد من القيادات العربية التي عاصرته أو جاءت بعده ولا يزال يشكل أنموذجاً لبعض القيادات التي تشيد به وتحاول السير على منهجه ولا سيما في مصر. لم يأخذ مشروع علمنة مصر طابع السرعة والمواجهة، بل سلك سبيل المواربة والمقاربة، سارت الخطة سيراً بطيئاً وتغلغلت في ثنايا المجتمع ولا سيما عناصره المتنفّذة، حتى كشفت ثورة يناير 2011 وما أعقبها من أحداث، ما كان مستتراً في النوايا والخطط، ولا سيما بعد أن تنفّس الشعب المصري الصعداء وصدّق أنه ملك زمام أمره وأصبح حراً في التعبير عن رأيه وموقفه، فدفع عبر استفتاءات وانتخابات، بالمشروع الإسلامي إلى الواجهة، مما أصاب كافة أعداء المشروع محلياً وإقليمياً وعالمياً ولا سيما الجهات الراعية للمشروع اليهودي، بالهلع والخوف والفزع، فسارعت بتكثيف الجهد وحثّ الخطى لوضع نهاية سريعة للمشروع الإسلامي قبل أن يقوى ويتجذّر في الضمير والواقع، والبدء فوراً بوضع خطوات المشروع العلماني موضع التنفيذ.
وضعت للمشروع الجديد خارطة طريق تضمنت السياسات والمشاريع والقرارات وكافة الاجراءات الكفيلة بمسح ما تركه المشروع الإسلامي من أثر ووضع البدائل ذات المغزى والمحتوى العلماني موضع التنفيذ الفوري بقوة القوانين والتشريعات النافذة وما يدعمها من سلطان القوّة الغاشمة، ضمن خطة ممنهجة وبرنامج زمني وموضوعي وتوزيع محكم للأدوار، فالأجهزة الأمنية تعتقل وتطارد وتسجن وتعذّب والقضاء (الشامخ) يدين ويجرّم والأزهر والأوقاف تُفتي وتبارك والإعلام يزوّر ويشيطن.
وقبل هذا وخلاله وبعده، جيء بقائد عسكري على شاكلة ذلك القائد التركي، بعد مسرحيّة هزلية توهِم أنه جاء مخلّصاً لمصر ومنقذاّ للمصريين من جحيم المشروع الإسلامي، وصُرف له من النّعوت والألقاب والصفات ما سبق صرفه لسلفه التركي إلى حدّ التأليه، ألم يقل أحدهم؛ ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار. وبضوء أخضر من أركان النظام الانقلابي يجري في مصر حالة انفلات ديني غير مسبوقة ولم تعرف لها مصر في تاريخها مثيلاً، إذ تتبارى كافة وسائل الإعلام بأنواعها المتعددة، بالنّيل من كل ما هو ثابت ومقدّس في الدين عقيدة وشريعة وقيماً وأخلاقاً وتشريعات بالتسفيه والتحقير والتشكيك دون وجل أو خوف أو حياء، تمهيداً لتجريد مصر من دينها وإلباسها رداءً علمانياً ملحداً سيراً على خطى أتاتورك وإنفاذاً لمشروعه وإيفاءً بوعده وعهده.
السبيل 2015-01-06