هذا الجنون ..كيف نلجمه؟!

عادت موجة “الإسلاموفوبيا” من جديد إلى أوروبا ، فقد شهدت السويد سلسلة من الحرائق التي استهدفت عددا من المساجد التي يصلي فيها المسلمون، وفي ألمانيا خرج نحو (18) الفا بمظاهرة ضد ما أسموه”أسلمة” المانيا، وفي فرنسا احتفت الأوساط الإعلامية بإشهار رواية”الاستسلام” التي ألفّها أحد المناهضين للإسلام( اسمه ميشال ويلبيك) وتناول فيها فوز زعيم لحزب إسلامي عام 2022 برئاسة فرنسا ، الزعيم هو محمد بن عباس والحزب اسمه “الإخاء الإسلامي”وهما بالطبع غير موجودين ، لكن المؤلف تخيل أنهما سيحكمان فرنسا ،وسيحولانها الى دولة اسلامية تفرض الحجاب، وتسمح بتعدد الزوجات ، وتدرِّس القرآن في الجامعات.
لا يمكن- بالطبع- الفصل بين تجدد انتشار مشاعر العداء للإسلام والمسلمين في أوروبا وبين تصاعد نبرة الحرب على الإرهاب في منطقتنا، خاصة بعد أن احتلت “داعش” صدارة الاخبار هناك ، بما تمثله من صورة نمطية للتطرف الذي ينسب للإسلام، كما أن انضمام مئات الشباب المقاتلين من الدول الغربية الى التنظيمات المسلحة اثار مخاوف هذه الدول ، ودفع المتطرفين فيها الى الاستثمار في موجة العنصرية تجاه “الوافدين” المسلمين للمطالبة بطردهم .
اخيرا ، وعلى ايقاع التطرف المتبادل ، هاجم عدد من الشباب المسلحين( اشارت التحقيقات انهم من أصول عربية) مقر صحيفة “شارلي ايبدو” في باريس، وقتلوا (12) من كوادرها، العملية كانت ارهابية بامتياز، لكنها أعادت للذاكرة المواجهة الاولى بين الصحيفة وبين الجمهور المسلم ، حيث نشرت (2006) الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي، ووقتها برأ القضاء الفرنسي الصحيفة بحجة حرية التعبير، لكن المواجهة بالطبع لم تتوقف فقد أعادت الصحيفة نشر رسوم كاريكاتورية اخرى مثيرة(2012) بعد أن أوقفت قبل عام عددا خاصا وعدت بنشره يحمل اسم “شريعة ايبدو” يكتب النبي محمد افتتاحيته ، بعد ان ألقيت قنبلة على الصحيفة وأحرقتها بالكامل.
المجلة لم تختص بالإساءة الى الإسلام فقط، فقد سبق ونشرت صورا ومقالات مسيئة للمسيح -عليه السلام- كما انها تعرضت منذ تأسيسها في منتصف الستينيات لمواجهات مع الحكومات الفرنسية ، وانشقاقات بسبب خطها التحريري واعتمادها على الإثارة لتجاوز أزماتها المالية من خلال استقطاب المزيد من القراء.
لا يمكن لأحد أن يدافع عن الإساءة للدِّين، حتى لو كانت الذريعة حرية التعبير ، وقد سبق لفرنسا ذاتها أن أصدرت قرارا قضائيا يمنع عرض مسرحية ضد الصهيونية( اسمها الجدار) بحجة انها معادية للسامية، فيما قضت المحكمة نفسها ببراءة احد الروائيين الذين اتهموا الإسلام بأنه( أغبى ديانة).
لكن في المقابل لا يمكن أن يكون القتل هو الرد على مثل هذه الاساءات ، فإزهاق أي روح انسانية بلا حق جريمة همجية لا يقبلها انسان مهما كان دينه، فكيف اذا كان مسلما ويدافع عن النبي الكريم الذي جاء رحمة للعالمين.
على الطرفين ثمة مجانين وحمقى ، لا علاقة لهم بالدِّين ولا بالإخلاق، وهؤلاء يمكن التعامل معهم بالقانون الحازم ، باعتبارهم مجرمين ، لكن المشكلة تبدو أكبر من ذلك حين ينجح مثل هؤلاء بتأجيج نيران الحروب والصراعات ونشر الكراهية بين الدول والشعوب، أو حين تتحول “الفوبيا” على ضفتي الإنسانية الى”كوست” تحرق المشاعر وتغذي الصدام والعنف، وتمنح الاشرار الحق في تصفية خلافاتهم بالقتل والطرد والحروب المدمرة.
صحيح اننا ندفع اليوم كمسلمين ، سواء في المجتمعات المسلمة او كأقليات مسلمة في الغرب، ثمن هذا الجنون الذي يرتكبه البعض باسم الدفاع عن الإسلام ، وقد لا نجد أمام هذه “البلوى” التي حولتنا في عيون الآخرين الى “متوحشين “ ما نبرئ به انفسنا وديننا ، لكن الصحيح ايضا أن هناك على الطرف الآخر من يتعمد الاستثمار في التطرف والكراهية ، سواء من خلال الاساءة لديننا او رموزنا المقدسة ، او من خلال صناعة وتمويل هذا العنف وتوظيفه ، او من خلال تصدير التوحش الى بلادنا واشهار الحروب علينا ، وبالتالي فإن الطرفين يتحملات مسؤولية ما حدث من جرائم ، وما يمكن أن يحدث من صدامات في المستقبل.
لا يكفي، إذن، أن نسأل : لماذا يكرهوننا، فالإجابة على الطرفين تبدو معروفة وربما مفهومة ومشروعة احيانا، لكن لا بد ان نسأل : كيف يمكن ان نطوي هذه الصفحة وان نبدأ بالبحث عن مخرج يضمن بناء علاقات افضل في المستقبل، وانتاج مجانين اقل ؟ هذا يعتمد على قدرة الحكماء لدى الطرفين”إن وجدوا” على نبذ الكراهية والإساءة المتبادلة ، وعلى احترام المشاعر الدينية والمصالح المشتركة، والانتصار لمنطق الإنسانية بدل الاستثمار في الظلم والعنف والجهل والخوف..وفي ازدراء الآخر أيضا.
(الدستور 2015-01-12)