حتى العربي يرفض تنازلات عباس

الجامعة العربية التي يحب بعض الاعلاميين والصحافيين والسياسيين وصفها بالجثة الهامدة، لم يستطع أمينها العام، الدكتور نبيل العربي هضم التنازلات الكثيرة التي وردت في المشروع الفلسطيني الذي قدمه محمود عباس إلى مجلس الأمن، ما يؤشر بوضوح الى حجم التنازلات المجانية التي قدمها عباس بعيدا عن تصورات القيادة والمؤسسات الفلسطينية، وفيه أيضًا دعوة لتقديم مشروع يحترم الحقوق الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية.
عباس حاول الهرب من الضغوط الفلسطينية بالاستقواء بالغطاء العربي، لكن حسنًا فعلت اللجنة العربية للمتابعة، اذ قررت تقديم مشروع فلسطيني عربي "جديد" إلى مجلس الأمن الدولي، بديلًا للمشروع الهابط، الذي أفشلته الضغوط والتدخلات الأميركية السلبية في نهاية الشهر الماضي.
حديث العربي عن المشروع الجديد يمنح الفلسطينيين فرصة إعادة الثوابت الفلسطينية إلى مشروع القرار، لأن فيه اعترافًا صريحًا بالثغرات والنواقص والتنازلات المجّانية التي حملها المشروع السابق، ويتضمن اعترافًا بضرورة سحبه من التداول وإعادة النظر فيه.
ليس أمام الرئيس الفلسطيني حاليًا إلّا العودة إلى الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في دولة مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، بحدود الرابع من حزيران 67، وضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجّروا منها منذ عام 1948، باعتباره الحق الثابت والمشروع والعادل الذي أقره وكفله القرار 194.
عباس ذهب إلى المؤسسات الدولية، في حين عينه لا تزال على المفاوضات المباشرة الاسرائيلية الفلسطينية، وهو في داخل عقله التفاوضي يبحث عن مَنفذ جديد يعود به إلى طاولة المفاوضات، لكن مع حفظ بعض كرامة الوجه، لأن المفاوض الاسرائيلي المدعوم بالكامل من الادارة الأميركية لم يبق للمفاوض الفلسطيني أي ماء وجه يذهب به بعد ذلك إلى المفاوضات من دون تقديم أي استحقاق، حتى على مستوى الوعود والضمانات.
لنلاحظ أن القيادة الرسمية الفلسطينية لم تعلق حتى الآن على الخطوة الإيجابية التي أقدم عليها مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق أولي في جرائم حرب محتملة وقعت على الأراضي الفلسطينية، وذلك في أول خطوة رسمية من شأنها أن تؤدي إلى توجيه اتهامات لمسؤولين في إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، خاصة في العدوان الاخير على قطاع غزة، أو بسبب النشاطات الاستيطانية الاسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية، والتي تصنفها المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية باعتبارها جريمة حرب.
حتى هذه الخطوة، لم تفكر السياسة الاميركية بتمريرها لمصلحة عيني عباس حيث أدانتها بشدة، ولم تلتفت إلى إمكان اتهامها بازدواجية المعايير، بعد أن تُوفّر الحماية لطغاة اسرائيل أكثر من المساءلة السياسية والديبلوماسية إلى المساءلة أمام العدالة الدولية.
(العرب اليوم 2015-01-19)