العالم الإسلامي ومياه الشرب

يحلو لوسائل الإعلام العالمية والمحلية أن تسلط الضوء على بعض القضايا دون بعض، وأن تنخرط في اللعبة المحبوكة جيدا ،التي تصرف انتباه الغالبية العظمى نحو الانشغال بقضايا محددة مقصودة، وذلك من أجل توجيه الطاقة الشعبية العارمة في مسارب التبديد وعدم الجدوى، ومن أجل شل الفاعلية التغييرية المكتنزة في جموع الشباب عبر ملهاة السراب المصطنع.
فعلى سبيل المثال صدر تقرير مهم وخطيرلم يلتفت إليه أحد ولم يحظ بالاهتمام المطلوب؛ يتعلق بضرورة ملحة من ضرورات الحياة في العالم الإسلامي عشية العام المنصرم، عن وكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إيتا) بخصوص المشكلة المتفاقمة المتعلقة بتوافر المياه الصالحة للشرب، الآمنة وغير الملوثة حيث جاء في التقرير أن (374) مليون إنسان يفتقرون إلى المياه النظيفة في العالم الإسلامي، الذي يبلغ عدد سكانه (1,55) مليار نسمة، أي بنسبة (24%)، بينما يفتقر (623) مليون منهم إلى مرافق الصرف الصحي، أي بنسبة (40%)، وتظهر ملامح التعقيد في المشكلة أنها تسير في منحنى متصاعد، حيث أن هناك زيادة في عدد السكان ، يقابلها ضعف في القدرة التخطيطية على استيعاب المشكلة فضلاً عن شح المياه، وجفاف الأنهار والينابيع نتيجة تناقص معدلات الأمطار، والمصحوب بزيادة معدلات التلوث الأكثر خطورة والأشد ضرراً على الصحة العامة.
مشكلة المياه الصالحة للشرب، ليست هي المشكلة الوحيدة، بل يصاحبها مشاكل أخرى لا تقل عنها في المرتبة من حيث الخطورة والضرر مثل مشكلة الغذاء، والانحدار الشنيع في معدلات إنتاجه، وعدم القدرة على توفير أساسيات الغذاء للأجيال القادمة التي تنتظر مستقبلاً قاتماً، إذا لم يتم تدارك الأمر عبر الاستنفار في مجال التخطيط الاستراتيجي القائم على الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة.
ولا نريد أن نفرط في التشاؤم عندما نسرد القائمة الطويلة من المشاكل الكبيرة التعلقة بالتعليم ونوعيته، ومشاكل البحث العلمي، بالإضافة إلى مشاكل الفقر والبطالة، والمديونيات المتعاظمة التي تأكل النسبة العظمى من الناتج القومي، وكيف بنا إذا تحدثنا عن العنف الذي يضرب في العمق الإقليمي المصحوب بانتعاش الاستبداد والفساد مرة أخرى.
ما نود الإشارة إليه بوضوح هو ضرورة الانتباه واليقظة إلى الاستغراق المحكم في إحدى المشاكل التي تطفو على السطح دون النظر إلى مجمل المشاكل والأخطار الأخرى المتعاظمة التي تهدد مجتمعاتنا وحاضرنا ومستقبلنا بشكل حتمي وجدي، ما تقتضي الحاجة الملحة إلى حوارات صريحة، ومكاشفات جريئة على كل مستويات المسؤولية.
إن مجمل الانفاق على التسليح وعدة الحرب والقتل والتدمير على مستويين عالمي وإقليمي، على حساب الانفاق في مجال توفير المياه والغذاء والتعليم والصحة، له عواقب وخيمة في غاية السوء، سوف تحصدها البشرية مجتمعة، وإن إصرار العالم الغربي المتقدم على إدامة التخلف والإعاقة في مجتمعات العالم الثالث، لن يبق أثره محصوراً في هذه الحدود، بل إن الشرر سيتطاير ليحرق الأخضر واليابس في كل بقاع العالم بلا استثناء، في ظل تحول العالم إلى قرية صغيرة.
(الدستور 2015-01-19)