مصر 25 يناير

مهما حاولت وسائل الاعلام، خاصة الفضائيات المتعاطفة مع حكم الاخوان ومرسي في مصر اظهار الاحتجاجات في الشوارع والمدن والجامعات المصرية ضد حكم السيسي، في ذكرى 25 يناير فانها لن تنجح في تضخيم الحدث، لأن مصر تعدت تلك المرحلة، وهي الآن في مرحلة جديدة، سوف ترتسم من خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة، وعلى المتضررين من ابعادهم عن الحلبة السياسية المراجعة الجذرية للسياسات التي انتهجوها، والمخططات التي حاولوا القيام بها، والعودة للشعب المصري، كي يقرر من يريد، وهذه قمة الديمقراطية والاحتكام للشعب.
فمصر بعد 25 يناير ليست مصر التي سبقته، هذه هي المقولة التي تتردد على السنة المصريين في الحكم والمعارضة، لهذا علينا ان نرى مصر بأعين شباب 25 يناير، لا بأعين سماسرة السياسة، واللعب على الحبلين.
لنتذكر جيدا، أن انتفاضة الشباب المصريين انطلقت على نحو عفوي، من دون أية قيادة، ومن دون أي لون أيديولوجي أو سياسي محدد، وتمحورت مطالب المنتفضين حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية (خبز وحرية وكرامة).
وكان من الواضح أن قوى وأحزاب المعارضة التقليدية كانوا متخلفين ومتأخرين جدًا عن نبض الشارع، ولم يلعبوا أي دور يذكر في الانتفاضة، بل أخذوا يلهثون خلف المحتجين وسط انقساماتهم وخلافاتهم التي لا تنتهي. أما قوى المعارضة الذين ارتضوا لانفسهم أن يلعبوا دور «ديكور وإكسسوار» داخل أحزابهم السياسية، فقد فقدوا، مرة وإلى الأبد، ثقة واحترام الشباب والجماهير.
كما دحضت الاحتجاجات الادعاء بأن الحركات الإسلامية وحدها هي التي تملك النفوذ والقوة في الشارع لتحدي الدولة التسلطية، بل اتضح وبالملموس أن قضايا الاستبداد والبطالة والفقر والجوع والعدالة الاجتماعية لها أكبر الأثر والفعالية في تحريك الناس وتفعيل احتجاجاتهم أكثر من أيديولوجيات ألوان الطيف السياسي المعارض كلها.
وبدا من الانتفاضة المصرية، ومن قبلها التونسية، أن خيار الشعوب العربية ليس محصورًا بالضرورة بين القبول بالاستبداد أو القبول بالتطرف الإسلامي، كما سعت السلطات إلى تكريس هذا الفهم والثقافة، وهو ما أخاف في السابق قطاعات كبيرة من أبناء المجتمعات العربية، بل ثمة خيار ثالث، خيار الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة ضمن دولة مدنية حديثة، خيار محاربة الفساد والسعي إلى استثمار موارد وطاقات البلدان في التنمية. أما الحركات الإسلامية، فيمكنها أن تكون جزءًا من الحراك الاجتماعي والحياة السياسية، من دون احتكار أو مصادرة، وبعيدًا عن ممارسة العنف أو الحض عليه.
بعد هذه السنوات من ثورة 25 يناير، ليعترف شباب ميدان التحرير ان افتقاد الانتفاضة إلى أطر تنظيمية وهياكل قيادية وبرنامج متفق عليه للتغيير، قد هدد استمرارها وتحقيق أهدافها المتوخاة، باقتصارها على إصلاح النظام وتجديد آلياته.
في النهاية، مصر قبل 25 يناير ليست هي بعده، والمستقبل المشرق للذين أوقدوا شعلة الأمل بالتغيير.
(العرب اليوم 2015-01-26)