وراتب غزة: "إخفاء دايتون"

تم نشره الأربعاء 28 كانون الثّاني / يناير 2015 12:53 صباحاً
وراتب غزة: "إخفاء دايتون"
د.أحمد جميل عزم

في قطاع غزة الآن أحجيات اسمها "المقطوعة رواتبهم" في القطاع. وجزء من هؤلاء عناصر في حركة "حماس"، اشتغلوا في الأجهزة الأمنية التي أنشأتها حكوماتها، وهناك موظفون اشتغلوا في مؤسساتها ووزاراتها. وهناك أيضا من يوصفون بـ "المتجنحين"؛ أي المشتبه بتأييدهم للمفصول من حركة "فتح" محمد دحلان. وكان هناك سابقاً ملف يتداوله الإعلام يعرف باسم ملف تفريعات 2005؛ وهم عناصر في حركة "فتح" يعتقد أنّه صدرت قرارات لم تُفعّل أو جمدت لتعيينهم لتلقي رواتب من "السلطة"، وظل الملف متداولا لسنوات.
هذه الملفات، وغيرها، خلقت واقعاً لعشرات أو مئات الآلاف ممن يُخلط دخلهم ويُغمس بالسياسة والاقتتال الداخلي.
المفارقة أنّ الجميع يتهم الجميع بشأن مصدر أمواله؛ فحركة "حماس" لطالما اتهمت أجهزة الأمن في الضفة الغربية بأنّها "أجهزة دايتون"، في إشارة إلى الضابط الأميركي كيث دايتون، الذي كانت له مهام في التنسيق والتدريب مع الأجهزة الأمنية، بين العامين 2005 و2010، وتتهمه "حماس" وآخرون بأنّه من يحدد (أو كان يحدد) مسار الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وبطبيعة الحال، فإن الدور الأميركي لا ينفصل عن التمويل المقدم، والتسهيلات التي تقدّم لوجستيا وضمن خطط إقليمية ترعاها واشنطن، أو هكذا تعتقد "حماس" وآخرون على الأقل. لكن رغم كل هذا، لا تمانع، بل وتطالب "حماس" بشدة أن يتم تمويل عناصرها من عسكريين (في أجهزة الأمن التي أنشأتها) ومن مدنيين، من ذات الوعاء الذي تتهمه، ولم تعد تذكر دايتون أو من يقف خلفه.
في الأثناء، فإنّ مسألة قطع الرواتب داخل "فتح" أحجية إلى حدٍ ما. ومن تحدثت معهم من مطّلعين وكوادر قيادية داخل الحركة، يعطون معلومات متضاربة. هناك من ينتقد الاستعجال في قطع الرواتب على خلفية القرب من دحلان، لأسباب منها أنّ هذا يكرّس الانقسام والبعد؛ وآخرون يقولون إنّ المقطوعة رواتبهم في جزء منهم على الأقل، يتلقون راتبين من دحلان و"السلطة" أو "فتح". والمحصلة: توتر يومي يثيره المقطوعة رواتبهم أو عائلاتهم، سواء لفقدانهم مكسبا كما يزعم البعض، أو لأنّ ذلك يضعهم في عوز وحاجة.
وبالطبع أيضاً، هناك شخصيات داخل "حماس" مرتبطة بجمعيات خيرية لا تجد غضاضة في التعاون مع دحلان، على اعتبار أن هذا يؤدي للحصول على تمويل يُقلّص الضائقة الحياتية في قطاع غزة.
في كل الحالات، فإنّ جميع المشتركين في "جدل الراتب" (والمقصود هنا القوى السياسية صاحبة القرار والقدرة على بلورة موقف، وليس الأفراد العاديون الذين يصعب أن يبلوروا هذه المواقف)، يعملون تحت سقف اتفاقيات أوسلو وتداعياتها ومنظوماتها؛ من دول مانحة ومساعدات وعائدات ضرائب يتحكم بها الإسرائيليون، وهم يتعاملون مع السلطة الفلسطينية، وربما منظمة التحرير الفلسطينية، من زاوية ما تعنيه بالنسبة للحياة اليومية، وبطلب أن توفر موارد لما يريدونه ويحتاجونه، بغض النظر عن المعنى السياسي لذلك، وعما قد يتضمنه ذلك من أثمان سياسية.
ربما لا يجدر القسوة كثيراً على جميع هذه القوى السياسية، خصوصاً مع تبعات وضائقة الحصار، ويمكن تفهم صعوبة الوضع الحياتي. لكن، أيضاً، لا يمكن تجاهل أنّه لا يوجد مشروع للاستقلال عن منظومة المانحين المشروطة، أو الاستقلال الاقتصادي في اقتصاد مقاومة. وهذا لا يمكن فصله عن منظومة علاقات تشترك فيها غالبية القوى الفلسطينية؛ بالمزاوجة بين لعب دور "ولي الأمر" في الشأن الحياتي اليومي، من فرص عمل ومساعدات، من دون تطوير شبكة تكافل اجتماعية، بل وفق نهج الوسيط بين المانح الخارجي والمواطن. وقد تكرس هذا النهج بنشوء السلطة الفلسطينية، وتخلي الاحتلال عن واجباته في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الأخرى، ولكنه أيضاً موجود منذ وقت سابق. وبينما كان الدعم العربي ومن دول اشتراكية في السابق والموجه لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، لا يتضمن الكثير من القيود والاشتراطات، فإنّ الموضوع بات مختلفا بعد نشوء "السلطة" وإبرام اتفاقيات التسوية.
من دون الوقوع في براثن الشعارات و"اليوتوبيا"، فإنّ جدل الراتب الدائر مسيء لشعب قدّم الكثير من الشهداء والتضحيات. وعملية الارتهان الحالية على المستويات الشخصية للمناضلين (الحاليين والسابقين) لمعادلات الراتب والدخل، هي حرف عن مسار توجيه الجهود ضد الاحتلال، أو حتى لمشروع بناء وصمود وطنيين.

(الغد 2015-01-28)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات