معاذ.. لا تحزن علينا

آه يا معاذ، لقد أوجعتنا، وأبكيتنا: وعدت بنا إلى سيرتنا الأولى، وايمان العجائز، عندما صرخنا نحن والانسانيون في العالم كلهم بلحظة واحدة…"يا نار كوني بردًا وسلامًا على معاذ…".
يا نسرا تحول إلى اسد داخل عرينه في وجه الطغاة.. لم تغب صورتك لحظة عن قلوب وروح الاردنيين، بل سكنتهم منذ اللحظة التي وقعت فيها اسيرا، وسكنتهم اكثر لحظة الحمق التي بادر فيها المرتزِقة ببث شريط نهاية عهدهم.
يا معاذ، ابتسم وشاهد ربعك الأردنيين، كيف التفوا حولك وحول الوطن، عندما حاولت كلاب ضالة ان تنهش روحك.
انظر كيف وقف العالم على رؤوس أصابعه، وأعصابه، عندما ارتكب النازيون الجدد حماقتهم.
يا معاذ لا تحزن علينا، فمِن صبر والدك المربي السابق، صافي الكساسبة، تعلمنا درسًا في حب الأوطان، ومِن عمق كلماته اطمأنّنا على أن الدنيا بخير، ومن أناقته وبهائه، عرفنا سرّ وسحر الوسامة التي تتمتع بها، ولا أذيعك سرا أن والدك الذي لم يرض يوما أن يتجاوزه الصباح من دون أن يستقبله بخدين أسيلين، وبعطر يفوح فيملأ الفضاء من حوله، كان كذلك في اليوم الثاني لعرس شهادتك، يتقبل التهاني، وهو منتصب القامة، مثلما كنت انت في عرينك المجيد.
والدك يا معاذ هو من شد أزرنا، وهو من علّمنا درسًا في الصلابة.
لقد فضحتَ بشاعتَهم يا معاذ، وكشفت عن عمق الحقد الذي يختزن في قلوب هؤلاء المرتزِقة، وقلوب من كانوا يوالونهم ويتعاطفون معهم، الذين لا يستطيعون ولا يتجرأون ان يعلنوا ويقولوا إن هؤلاء المرتزِقة ليسوا بشرا ولا مسلمين ولا يمتون الى الانسانية بصلة.
يا معاذ تستطيع أن تنام قرير العين، فلحظة عرس استشهادك سوف تغير وجه المنطقة، وسوف يصاغ التاريخ من جديد، ليحفر اسمك مع الذين غيروا وجهه ونقلوه من الظلمات الى النّور.
يا معاذ.. لم تعد الأوطان قادرة على توفير كفن نظيف للكرامة المهدورة على نطع السياسة، والفكر الاعوج، لم تعد احاديث التعزية تليق بك، فأنت وقبرك الفسيح بحجم الوطن الذي احتضن روحك.
يا شهيدنا، نعرف ان الأرض مصابة بالتبخر، ومن يدبُّ عليها يلحقه الجذام، ونسخر من تعزيتنا بولائم من الكلام، فنَعْلِك صمتا مريبا.. لكن تنهشنا الرغبة في الكلام عن حب رحل، ونرغب في الصراخ من أجل تاريخ يتورم غثاء.. وجغرافيا تتآكل، وحدود طويلة ترسم بالدوائر المغلقة، وحواجز تخترق القلب بالليزر بحثا عن العشق المهرّب.
يا معاذ نعرف ان الشهداء لا يموتون، ولا تتقبل بهم تعزية، بل تقام لهم الافراح، وصواوين الاعراس، لقد اقام لك الاردنيون في كل بيت عرس شهيد، ومن روحك استذكروا ارواح الشهداء على اسوار القدس وفي كل المواقع الاخرى.
(العرب اليوم 2015-02-05)