نتنياهو يخترق واشنطن

اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مجددا، المناورة في قلب الساحة السياسية الأميركية، متحديا الرئيس الأميركي باراك أوباما والبيت الأبيض. وهذا نهج قديم، تكرر مرارا منذ ظهور نتنياهو في مقدمة السياسة الإسرائيلية في منتصف التسعينيات. لكن نتنياهو يسجّل، في هذه الأيام، ذروة في الوقاحة، باتفاقه مع قادة الحزب الجمهوري على إلقاء خطاب أمام الكونغرس الأميركي، قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية البرلمانية، من دون أي تنسيق واستئذان من البيت الأبيض. وهي خطوة لم يُسجل مثلها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية في العالم.
وقد أعلن نتنياهو أنه سيخصص خطابه في الثالث من آذار (مارس) المقبل، أمام مجلسي الكونغرس (الشيوخ والنواب) ذي الأغلبية الجمهورية، لما يسمى "الملف الإيراني"، وحث الكونغرس على عدم القبول بأي اتفاق يتم التوصل إليه بين الغرب وإيران، لا توافق عليه إسرائيل. وسيطالب نتنياهو بتشديد الإجراءات "العقابية" ضد إيران بسبب مشروعها النووي، مُعربا بذلك عن القلق الذي يسيطر عليه هو وحكومته، من أن يتم التوصل إلى اتفاق ينهي الخلاف بشأن تطوير المشروع النووي الإيراني، وبذلك تسقط الورقة التي يريدها نتنياهو أن تطغى على قضية الصراع الأساس في الشرق الأوسط؛ القضية الفلسطينية.
ولم يلتفت نتنياهو لحالة الغضب التي سادت الإدارة الأميركية، ولبيانات صريحة صدرت عن البيت الابيض تنتقد هذه الخطوة التي جرى تنسيقها والاتفاق عليها من خلف ظهر أوباما؛ كما لم يلتفت إلى موجة الانتقادات الواسعة في الساحة الإسرائيلية، يضاف إليها في الأيام الأخيرة اعتراض وتحذير النواب الأميركيين اليهود في الحزب الديمقراطي، الذين هددوا بمقاطعة الجلسة.
وادعى نتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي أن هذا الوقت الأنسب لإلقاء خطاب أمام الكونغرس، لحثه على منع اتفاق مع إيران "يضر بالمصالح الإسرائيلية". لكن هدف نتنياهو من هذه الخطوة، هو ترسيخ القناعة لدى اليمين الإسرائيلي المتشدد، وحتى لدى المترددين بشأن تأييده في الانتخابات البرلمانية، بأنه أقوى من ضغوط الإدارة الأميركية، في حال وجدت، وحتى أنه قادر على اختراق واشنطن، من دون استئذان البيت الأبيض "إذا اقتضت ضرورة الدفاع عن المصالح الإسرائيلية"، حسب مضمون رسالة نتنياهو.
ويرى نتنياهو، كما هي حال اليمين الإسرائيلي المتشدد، أن الحزب الجمهوري، الذي يتلقى دعما مباشرا من قوى أميركية متصهينة، ومن اللوبي الصهيوني اليميني، هو الداعم الأقوى لأجندة اليمين الإسرائيلي. ولهذا نرى أن من يدعمون الحزب الجمهوري الأميركي ماليا، يدعمون أيضا نتنياهو واليمين الإسرائيلي. وأول الداعمين هو الثري الأميركي اليهودي العنصري المتطرف شلدون أدلسون، صاحب واحدة من أكبر شبكات القمار العالمية، ومركزها الأساسي لاس فيغاس، وهو يُصدر منذ منتصف العام 2007 صحيفة يومية إسرائيلية مجانية "يسرائيل هيوم"، مُكرّسة كلها لخدمة شخص نتنياهو وأجندته، وتحظى بنسب الانتشار الأكبر بسبب مجانيتها، رغم تدني مستواها الصحفي.
وكان نتنياهو قد سعى إلى التآمر على الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، في النصف الثاني من التسعينيات، وحاول التدخل في الانتخابات الأميركية التي جرت في خريف العام 1996. إلا أن تدخل نتنياهو كان أشد وقاحة وفظاظة في حملة الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأميركية في خريف العام 2012. ورأينا صديقه أدلسون يصرف أكثر من مائة مليون دولار على حملة الحزب الجمهوري الانتخابية؛ بدءا من دعم أحد المرشحين المتطرفين في الانتخابات الداخلية، ثم دعم المرشح ميت رومني ضد الرئيس الديمقراطي أوباما.
من غير المحتمل أن يزيد خطاب نتنياهو أمام الكونغرس نقاطا إضافية له في نتيجة الانتخابات البرلمانية المقبلة. لكن في الوقت ذاته، فإنه سيكون مؤشرا على مستقبل العلاقة بين حكومة نتنياهو، في حال شكلها مجددا بعد الانتخابات، حسب ما توحي به استطلاعات الرأي. إلا أن نتنياهو مطمئن من أنه لن يلقى تعاملا متشددا من البيت الأبيض، لأن هذا لم يكن في أي وقت من الأوقات، على الأقل في السنوات العشرين الأخيرة. وثانيا، لأنه يعلم أن الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الجمهوري في الكونغرس ومجلس الشيوخ ستقف ضد أي محاولة تشدد افتراضية كهذه.
(الغد 2015-02-07)