النازية الجديدة والاوشيفتز خاصتنا

ما زالت تلك الصور بالابيض والاسود لهياكل بشرية متحركة، لا يميزها عن جثث الاموات شيء سوى بقية ضوء في العينين تشي ببصيص حياة قد أتى عليها الجوع والمرض والتعذيب، تقرع أنظار وذاكرة البشرية والعالم أجمع بسياط الاتهام والتجريم واعطاء المثل على انحطاط القيم الانسانية في الحروب العالمية، وربما تساق كدرس عفا عليه الزمن ولا يمكن تكراره بعد انشاء نظام عالمي ومجتمع دولي ووضع اتفاقيات في الظاهر تحد من التسلح وتكفل حقوق الانسان وتدير النزاعات والحروب بما يضمن عدم تكرار المآسي التي عاشها البشر في القرن الماضي!
وسواء تصادف ان جزءا من اولئك المعذبين والمشردين والمقتولين والمقهورين في الارض كان يهودا ام لم يكونوا، وسواء صحت الروايات العجيبة التي تقترب من الخيال في اشكال التعذيب لهم وعدد الضحايا ام لم تصح، فإننا نعرف أن اليهود بما اكتسبوه من قوة بعد ذلك نسجوا كل حكايتهم وتاريخهم ومظلوميتهم بناء على تاريخ معسكرات ومخيمات الاعتقال والابادة (الهولوكوست) التي تعرضوا لها فيها، ويا ليت التذكير والتكفير والتعويض كان مرة او مرتين وانتهى، ولكنه مسلسل مستمر كل عام يحييه الكيان الصهيوني ويجر اليه رؤساء الدول لتقديم قرابين الاعتذار والاعتراف بالدم والتضحية اليهودية «المزعومة» التي يجب ألا ينساها أبناء صهيون ولا العالم أجمع! حتى أنهم حولوا معظم مخيمات الاعتقال الى متاحف تحت رعاية اليونسكو كجزء من التراث البشري مثل المخيم الاشهر المعروف باوشيفتز، وتقدم الان على انها منارات بسالة وصمود للارادة البشرية امام الغطرسة النازية التي اصبحت سبة وتهمة وصنوا لكل تجرد من الانسانية!
على الطرف الآخر من مأساتنا لا يبدو العالم مهتما سوى بالقلق وممارسة دبلوماسية الاستهجان والاستنكار، فصور ضحايانا لا تصله وهياكل جائعينا وموتانا لا تحرك فيه أنة، ولا يرون في اعدائنا نازية جديدة تفوقت على النسخة القديمة، ولا في مخيماتنا سجنا كبيرا محكوما على اهله بالاعدام الجماعي!
بل ان القارئ للمشهد يرى في السكوت عن انقاذ أهل المخيمات الفلسطينية في مناطق النزاع تواطئا مقصودا لتصفيتهم وتصفية المخيم بما يملكه من رمزية الصمود والعودة وحقوق اللاجئين، والمجتمع الدولي لا يمكن ان يتحمل اللائمة، حتى الشيطان الاكبر امريكا لا يمكن لومها وتقديم نظرية المؤامرة، إن الفخار يكسر بعضه بعضا الان والموت والخراب يأتي بدمغة عربية والعدو من الداخل والمستهدف لاجئ أعزل لا يستطيع أن يصلب طوله ناهيك ان يحمل سلاحا ليدافع عن نفسه وعائلته او يقف بجانب زيد ضد عبيد!
موغلون في السفالة والانحطاط، ولا اعتذر عنها، اولئك التنظيمات التي تدعي الوطنية او الدين ثم تتاجر بكل مبدأ وقيمة حسب مصالحها والقربان مزيد من الاطفال الرضع والشيوخ الركع والنساء الثكالى والرجال الذين اعجزتهم قلة الحيلة وظلم ذوي القربى!
في مخيمات ومعسكرات الاعتقال النازية كان الضباط يسخرون من السجناء فيطلقون عليهم مصطلح «ميزلمان» وهي تعني المسلمين بالالمانية للدلالة على أن هؤلاء المساجين الذين يعانون من أعراض المجاعة والانهاك ولا يستطيعون الوقوف على اقدامهم والذين تركوا ليلاقوا موتهم الوشيك يشبهون اوضاع المسلمين في صلاتهم اثناء الجلوس والركوع.
لم يتغير التاريخ كثيرا سوى أنه أصبح أكثر قسوة وظلما واستهدافا للمسلمين وقضاياهم وهو الان يمارس تصفيتهم بالوكالة عن طريق عملائه من العرب وأدعياء الاسلام!
لن يكترث العالم ان يحول مخيماتنا الى متاحف تكون درسا للبشرية، لن يقيم لضحايانا نصبا تذكاريا، لن يكترث حتى باحصاء عددي للتأريخ والتوثيق، فمن يموت يخفف ويجعل اقترابهم نحو حلولهم وتصفياتهم وطموحاتهم التوسعية أسهل وأقرب.
وفي الوقت الذي تزيد فيه لامبالاتنا تضيق خياراتنا وتغلق علينا الدائرة فإما ان نكون اولا نكون، ان نظل ونحيا او نموت وتموت بنا الذاكرة والقضية.
اذا لم يعِ أصحاب الدولة المنقوصة معنى المخيم فليكن الشعب أوعى حتى لا يأتي يوم نقول فيه ضاعت فلسطين يوم ضاع المخيم وأكلنا يوم قتل اخر الصامدين فيه.
(السبيل 2015-04-14)