الرؤية الاقتصادية في محاضرات "السابقين"!

ليس سهلا أن يقرر المرء الذهاب إلى محاضرة تتناول الشأن الاقتصادي المحلي، وفقا لما يراه مسؤول ترك المنصب العام للتو. وتتصادم أسئلة كثيرة هنا حول قدرة ذات المسؤول السابق على تنفيذ رؤيته منذ وصوله إلى كرسي المسؤولية؛ هذا إن كان يمتلك رؤية اقتصادية أساسا؟ ويبقى السؤال الأهم: ما الدرس الاقتصادي الذي سيخرج به متابعو المحاضرة؟
في اعتقادي أن الحكم على تجربة الحكومة -أي حكومة- على الصعيد الاقتصادي، لا يكون دقيقا أو موضوعيا؛ بالاستناد إلى أن الحكومات تأتي لمهام وقرارات بعينها، تنفذها ثم تمضي بعد ذلك. ووفقا لضعف الولاية العامة للحكومات، فإن القرار الاقتصادي يتبدى وكأنه صادر عن جهة تسعى إلى إدامة الحال على ما هي عليه، فتظهر الحكومات تبعا لذلك بوصفها رجل إطفاء، يعمل على إخماد الحرائق أو اتخاذ قرارات غير شعبية في أغلب الأحيان، بهدف "إنقاذ الاقتصاد".
وإن لم يكن صاحب رؤية اقتصادية، ولم يتخذ قرارا يؤمن بأبعاده على المجتمع والدولة، فما الذي سيقوله المحاضر بعد تدبيج السلام له، والتعريج على فترة مسؤوليته "الموشحة بالحكمة والرشد"؟ هل من العدل محاكمته على ما لم يكن بين يديه فعلا، وضمن إرادته؟ وإذا أراد أحد الحضور السؤال عن عبء المديونية وتراكمها بهذا الشكل المرعب، فهل سيكون المحاضر في موقع يمنحه القوة والثقة بأن يجيبه ويقنعه؟ وثمة ملفات أخرى شائكة: تلاشي الطبقة الوسطى، وتفاقم الفقر، وبعثرة التعليم ومخرجاته في غير مصلحة الأفراد والمؤسسات... إلخ، هل سيتقدم للدفاع عن تداعياتها السلبية الماثلة؟
صحيح أن المسؤولين يعدون مخزن الخبرة للدولة والمجتمع، لكن المسؤول الذي لم تتح له فرصة تطبيق فكر اقتصادي يؤمن به، كون الحكومات غير حزبية وغير برامجية، لا يحاسب على تراكم اقتصادي، له فيه يد لكنها ليست الطولى.
والمؤسف أن الكثير من هذه المحاضرات، إن لم يكن كلها، يتم الحديث فيها عن عناوين عامة من غير دلالة أو أثر. فرئيس وزراء سابق يذهب إلى أن "البطالة إحدى مشكلات الاقتصاد الأردني". وفي محاضرة ثانية يقول آخر إن "هناك عدم مواءمة بين مخرجات التعليم وحاجات سوق العمل". وثالث يفاجئنا بأن "الشعب الأردني فتي ونسبة الشباب فيه مرتفعة". وهي عبارات متكررة سطحية، لا تشخص حالة معيشية راهنة، ولا تصنع واقعا اقتصاديا جديدا.
كما هو سائد في معظم الدول، فإن من المفيد لـ"مخازن الخبرة" والمجتمعات وذاكرة الدولة، أن تتوثق تجارب المسؤولين السابقين، وأن يكتبوا مذكراتهم وخلاصة أفكارهم وما عايشوه أثناء فترات حكمهم، لكي تتعلم الأجيال المقبلة دروس اللحظة الراهنة والماضي القريب، أملا في تحسين الأداء الاقتصادي.
ومن ثم، ليس غريبا أن يتزاحم الحضور على بوابات المدرجات، في بلدان عربية وآسيوية؛ وأن تحدث أزمات سير، عندما يكون المحاضر هو الدكتور مهاتير محمد. إذ إنه قامة سياسية واقتصادية كبيرة؛ رجل بدأ من الصفر، وسجن لسنوات، وألف كتبا لإنقاذ بلاده، وانخرط في عمل حزبي نضالي، ثم وصل إلى الحكم، ويملك فكرا اقتصاديا يقوم على رفض التبعية. وقد مارس المسؤولية بكل نزاهة واستقامة، واستطاع أن يحول ماليزيا إلى نمر حقيقي في الغابة الآسيوية، وينقلها إلى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا، فهو "مخزن" حقيقي للخبرة. كما أنه ليس غريبا، في المقابل، أن ينشغل شباب أردني عن محاضرة اقتصادية لأحد المسؤولين السابقين، بهواتفهم الذكية، بعد أن ملوا الكلام المكرور عديم الدلالة.
(الغد 2015-04-28)