7 دقائق للطاقية

تروي زوجة الشهيد عبدالله عزام عنه -رحمه الله- أنه جاء لزيارة شخص مهم ليعرفه بقضايا المسلمين ومعاناتهم ثم طلب إليه في اثناء اللقاء ان يخصص شيئا من وقته للقاء العاملين في الميدان حتى تكتمل لديه الصورة فاعتذر الضيف بشدة لأنه لا يملك الوقت بالرغم ان الشيخ قال ولو خمس دقائق مرورا سريعا! وفي أثناء حديث الشيخ معه وقف ليبحث عن طاقيته والشيخ ينظر اليه متعجبا وهو يروح جيئة وذهابا بحماسة وتصميم للعثور عليها وحسب له على الساعة أنه أمضى سبع دقائق في البحث عن الطاقية! فوقف الشيخ ليغادر وقال له: تعطي سبع دقائق للطاقية ولا تعطي خمس دقائق للقضية!
كم مثل ذلك الرجل من تشغلهم سفاسف الامور، فإذا انتخيتهم لعمل مهم تعذروا أنهم لا يملكون الوقت وان جداولهم مزدحمة لا يستطيعون حشر دقائق معدودة فيها ليخدموا قضايا المسلمين المتعددة، فإذا نظرت في حياتهم لن تجد فيها أكثر من التجارة والتكاثر والازدياد وذلك قول المنافقين «شغلتنا أموالنا وأهلونا»، وربما يوافقون على عمل بسيط خجلا من كثرة الاصرار وفي نيتهم ان يعتذروا في الدقيقة الاخيرة ليتركوا ثغرا ربما لا يمكن ملؤه بالسرعة المطلوبة!
وقد يمارس البعض برجوازية نضال الفنادق فيحسن التنظير للمبادئ والأعمال العظيمة دون ان يغبر قدميه مشيا في عرض البلاد وطولها ليبلغها ودون ان يجهد جسده في القيام بأعبائها ودون ان يضحي من عمره لتحمل تبعاتها، وهؤلاء علمهم دون عملهم لا يمكث في الارض طويلا ولا ينفع الناس فلا حياة لفكرة ما لم تقتت من روح بشر ولم تتمثل في حياته، وأي فكرة لم تتطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميته!
يوم احتلت القدس ذهبت «غولدا مائير» لثكنات الجيش ودخلت الى أماكن نومهم وجلست طول الليل تمسح أحذيتهم فلما عاتبها مرافقوها على انزال مقامها وهيبتها التي هي هيبة الدولة، قالت لهم بل افتخر بإمضاء ساعات وساعات في تنظيف أحذية من احتلوا اورشليم وحققوا حلمنا الموعود! كان شكرها اللفظي ربما ليكفيهم ولكنها أرادت رسالة اقوى تخلد فعلها!
إن البخل ليس فقط في الماديات ولكنه في كثير من مناشط الحياة، ومنها الوقت ومن لم يجد بالوقت فلم يكتمل ايمانه بقضيته وإلا لوضع حياته بكل دقيقة وكل درهم وكل نفس ونبضة وفكرة في سبيلها.
انظر في حياتك وكم تخصص وقتا للقضايا العظيمة التي ربما تؤمن بها نظريا ولكن ايمانك لم يكتمل في موضع التطبيق ستجد ان أغلبنا موسميو التأثر والتفاعل ثم نعود الى السبات العام ويسرق متاع الدنيا ومكابدتها اغلب وقتنا وليس فقط سبع دقائق بل سبعات وسبعات لم نعد نعدها أو نحصيها في أعمار ان طال معظمها لا يزيد عن السبعين!
في حياة كل منا تلك الطاقية وقد تأخذ أشكالا وأسماء مختلفة الا أننا نبذل ذات الجهد في ملاحقتها تاركين غفلة او عن قصد عمارة اوقاتنا واعمارنا والزكاة عنها بحسن استثمارها!
لن نستطيع ان نخصص كل الوقت للقضية فذلك لا يحسنه الا بعض أناس اصطفاهم الله ليكون أعلاما فلا نعدم على الاقل ساعة فساعة او ثلث من الوقت، فذلك اضعف الايمان وأدنى ألا تموت القضايا النبيلة بقعود اصحابها عن العمل واشتغالهم فقط بمتاع الدنيا.. او البحث عن طاقية.
(السبيل 2015-05-04)