المثقف وحقل الألغام

تم نشره الأربعاء 13 أيّار / مايو 2015 02:42 صباحاً
المثقف وحقل الألغام
خيري منصور

استعير هذا العنوان من المستشار محمد سعيد العشماوي الذي التقيته قبل عشرة أعوام على الأقل في القاهرة، وكان الرجل يومئذٍ حديث المثقفين بسبب ما تعرّض له من سوء فهم لدى أصوليين، مما اضطره الى ان يقيّد خطواته خشية مما حدث من قبل للراحلين نجيب محفوظ و د . فرج فودة وآخرين . تلك العبارة وردت في كتابه الاسلام والسياسة الذي يدافع فيه عن الاسلام بطريقته، وليس بالاسلوب الذي يضاعف من سوء الفهم، فهل كان قدر المثقف العربي ان يقطع عمره وأيامه كلها كما لو انه محاط بالالغام ؟ وهل كان التكفير وما يزال العقوبة الجاهزة لمن يقترف التفكير باعتباره خروجا عن الجماعة . ان هذا القدر الذي امتاز به المثقف العربي رغم كل الشقاء والحذر حرمنا من اطروحات حرة، تحاول انقاذ الدّين مما علق به من شوائب وبدع وهي كثيرة ، وبالرغم من ان المستشار العشماوي ناقش مؤلفات استشراقية وكأن له موقفا صريحا منها ككتاب مكسيم رودنسون عن الاسلام الا انه لم ينجُ من التقويل الذي يتجاوز كل حدود وامكانات التأويل، وما يقوله عن الألغام التي تحاصر المثقف في كل الجهات يذكرنا بما كتبه الروائي كونديرا تحت عنوان عقاب يبحث عن جريمة، فثمة مجتمعات يولد فيها الانسان متهما وعليه ان يبرهن على براءته، فكل شيء قابل للتقويل، حتى الصمت والنوايا تجد من يتطوعون لترجمتها . كيف يمكن لأمة ان تعاود النهوض بعد كل تلك الكبوات، إذ كان المتربصون والصيادون في المرصاد، يقرأون ما يودون فهمه فقط، ثم يمارسون الاستعداء الفكري شعبيا ورسميا بعد ان اصبح هذا الاستعداء مهنة . وقبل ان يكتب المستشار العشماوي عن الاسلام والسياسة وحق التفكير بعدة عقود كتب الامام محمد عبدة قصيدة تبدو كما لو انها كُتبت الان، فهو يحذر المسلمين فيها من غُلاتهم ومن عمائم قد تُسيء الى العقيدة وهي تدري او لا تدري، لأنها تسعى الى تضييق آفاق رحبة، وتحول التسامح والدعوة الى التعايش الى اقصاء متبادل ونبذ لا بد ان ينتهي الى نزاعات، لا يحزر هؤلاء او حتى غيرهم مداها ! وما يؤكد ان المثقف العربي يقطع عمره في طريق يعجّ بالالغام، الافراط في الاستدراكات والمبالغة في تبديل ما يمكن ان يُثار من شكوك، فما تعرض له مفكرون اسلاميون منذ النهضة في القرن التاسع عشر تحوّل الى فوبيا، ما يغيب عنا احيانا ان الحذر المبالغ فيه يؤدي الى تعثر وقد يخلق مناخات من الريبة . لقد عاشت الفلسفات والعقائد كل هذه القرون واحيانا الألفيات بفضل من سعوا الى توسيع آفاقها والدفاع عن جوهرها ضد الشعرنة والتطقيس والغلوّ! 

(الدستور 2015-05-13)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات