تغيير الحكومات أم النهج؟

في ظل الأجواء القديمة الجديدة، والإشاعات المتكررة عن التغيير الحكومي، فإن من المشروع السؤال ما إذا كان أي تغيير يعني الكثير في ظل الإطار السياسي الحالي غير المرتكز إلى نظام نيابي حزبي، تأتي فيه الحكومة وفقا لبرنامج واضح يتم الحكم عليه من خلال صندوق الاقتراع.
الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأبيض والأسود. إذ إنه بسبب غياب نظام نيابي حزبي متجذر، فإن شخص رئيس الوزراء يكتسب أهمية خاصة؛ فهو الذي يختار غالبية وزرائه. وفي غياب برنامج واضح للحكومة، عدا العموميات التي يتضمنها أي بيان وزاري، وتقدم الأولويات الجغرافية والمناطقية على تلك الفكرية في اختيار الوزراء، فإن توجهات رئيس الحكومة والفكر الذي يحمله لها الأثر الأكبر في تحديد توجهات الحكومة. والحقيقة المحزنة أنه نادرا ما جاءت للأردن حكومة ذات فكر متجانس، يعمل أفرادها بتناغم، من أجل أهداف واضحة ومحددة. كما أن الجميع يعرف أنه لا يوجد تصويت حقيقي داخل مجلس الوزراء، وبعض القضايا الخلافية قد لا يتم إطلاع المجلس عليها أصلا. وبالتالي، فإن رأي رئيس الحكومة له الأثر الأكبر في عملية اتخاذ القرار الحكومي، بغض النظر عما قد يحمل أعضاء الفريق الوزاري من آراء متباينة.
إذن، يبدو للوهلة الأولى أن شخص الرئيس مهم جدا في التركيبة السياسية الأردنية الحالية، خاصة في مجال الانطباع العام الذي يتركه لدى المواطنين، أو في مجال الشجاعة في اتخاذ القرار والإصرار على الولاية العامة للحكومة. وهناك رؤساء حكومات عرفوا بنظافة اليد. ويسجل، مثلا، للرئيس عبدالله النسور أنه لم يؤخذ عليه، أو على أي من وزرائه، قضايا فساد. وهناك رؤساء حكومات لم ينجحوا في خلق هذا الانطباع لدى المواطن، وتأثرت شعبيتهم كثيرا بسبب ذلك. وحده من استطاع الجمع بين نظافة اليد وشجاعة الدفاع عن الولاية العامة، تمكن من كسب ثقة الناس.
لكن نظرة للصورة الكبيرة، أي التحديات السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تواجه الأردن، قد تقودنا لاستنتاجات مختلفة حول قدر أهمية شخص رئيس الوزراء. وباعتبار أن السياسة الخارجية كانت دوما تحدد من قبل جلالة الملك، فإن دور الحكومة الأكبر كان دوما في مجال السياسات الداخلية؛ الاقتصادية منها والسياسية. وإذا اعتبرنا أن التحديات الاقتصادية الكبرى تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، وعجز الموازنة، والدين العام، فقد شهد الأردن رؤساء حكومات جاؤوا من القطاعين العام والخاص؛ من المحافظين والليبراليين؛ من كبار السن وصغاره، ولم ينجح أحد منهم عمليا في معالجة هذه التحديات. وحاول العديد منهم إلقاء اللوم على غيره لما وصل إليه الوضع الاقتصادي. فبعد أكثر من 25 عاما على الإصلاح الاقتصادي، تراوح البطالة عموماً عند نسبة 13 %، و30 % لفئة الشباب. ويشهد الدين العام، مقارنة بالدخل القومي، ارتفاعا متزايدا. أما عجز الموازنة، فكان يسجل -للأسف- انخفاضا فقط لدى وجود برنامج مع صندوق النقد الدولي، ما يوحي بأننا غير قادرين على إدارة الاقتصاد من دون رقيب خارجي.
يستنتج من ذلك كله أنه من العبث التشبث بشخص رئيس الوزراء، أي رئيس، والاعتقاد أن شخصا بمفرده، مهما حمل من فكر وقدرات، قادر على حل مشاكل البلد بالطريقة المتبعة حاليا. وكل من يعد بغير ذلك، همه الأكبر -على الأغلب- مجده الشخصي فقط، لأنه يعرف العوائق التي تنتظر من يريد تطبيق الولاية العامة التي نص عليها الدستور، والمعالجة المؤسسية للتحديات.
بعد ما يقرب مائة عام على تأسيس الأردن الحديث، حان الوقت للعمل الجاد على بلورة نظام نيابي حزبي، يأتي فيه الرئيس للسلطة بناء على برنامج وفكر، لا لاعتبارات شخصية أو مناطقية؛ برنامج مفصل لمعالجة تحديات البلد، تُنتخب الحكومة على أساسه، كما تحاسب على أساسه في صندوق الاقتراع، فيعرف الناس لماذا جاء فلان، ولماذا رحل آخر.
أحلام؟ كل الأعمال الكبيرة بدأت بالأحلام التي وجدت من يترجمها، بالعمل الجماعي، إلى حقائق على الأرض، ولو أخذ ذلك عقودا من الزمن.
(الغد 2015-05-13)