انتقام الصحاري من حواضر الأمة

على مدار التاريخ العربي في حقبتيه ما قبل الاسلام و مابعده، لم يؤسس مركز واحد من مراكز الأمة خارج حواضرها التاريخية المعروفة.
فقبل الاسلام، ازدهرت حواضر وحضارات عظيمة للأمة في مصر وبلاد الشام وبلاد الرافدين واليمن "من بناة الاهرام الى الانباط ومخترعي الأبجدية في اوغاريت على الساحل السوري، إلى سومر وأكد وبابل والآشوريين، الى حضارات اليمن المتعاقبة".
اما بعد الاسلام، فلم تتوطد الرسالة الاسلامية في الصحاري بل في مراكز الأمة: دمشق الأموية ثم بغداد العباسية ثم القاهرة في حقبها المتتالية: الفاطميون والايوبيون والمماليك وعهد محمد علي وابنه ابراهيم باشا ثم عهد جمال عبد الناصر في التاريخ الحديث.
وعلى مدار التاريخ ثانيا، قبل الاسلام وبعده، لم تتوقف حرب الصحاري على الحواضر من الهكسوس الى الخوارج الى الوهابيين وظلالها وامتداداتها واشكالها "الحالية"، ومن نهب القوافل وطرق التوابل والحج وغيرها لتغذية وتزويد أطرافها بالمال والقوة، الى سرقة نفط الأمة وآثارها وبيعها في الاسواق العالمية والعثمانية والصهيونية في ايامنا هذه.
وعلى مدار التاريخ، ثالثا، لم تفلح الصحاري في ان تكون مركزا سياديا من مراكز الأمة، وكل ما تفعله هو استنزاف المراكز الحضارية أو تدميرها لصالح الغزاة الأجانب…
وعلى مدار التاريخ، رابعا، كانت مراكز الأمة تعاود النهوض والتجلي والتبدي وتناوب الرسالة القومية من جديد في القاهرة أو دمشق أو بغداد أو الجزائر، ولعل اليمن تفتح من تحت الانقاض صفحة جديدة في تاريخ الأمة.
هكذا نفهم ما شهدته مصر بعد الانقلاب الساداتي وخيوطه الصحراوية، وهكذا نفهم الحرائق التي تشتعل ضد كل حواضر الأمة ومراكزها التاريخية باسم الاسلام الامريكي والفوضى اليهودية الهدامة. وهكذا نفهم الاصطفافات الايديولوجية بين مذاهب اجتهادات التصحر الوهابية الجافة التكفيرية، وبين اجتهادات الحواضر وتأويلاتها من التموزية الايزيسية قبل الاسلام الى المعتزلة وابو حنيفة والامام جعفر الصادق.
(العرب اليوم 2015-05-19)