الاستثمار العربي: الحلم والحقيقة

الدراسات والتوصيات التي تصدر عن اتحاد رجال الأعمال العرب، ومثله المؤسسات التي تتبع جامعة الدول العربية، تدعو للتأمل. فهي مغرقة في الإنشاء وعبارات "ما يجب أن يكون عليه الأمر"، وتتحدث عن تكامل اقتصادي مرتقب بين الدول العربية. لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن ذلك محض أمنيات ليس لها رصيد في الخريطة الاستثمارية التي ارتسمت منذ زمن بعيد، إذ استوطن المال العربي في صناديق أجنبية، ولا ينفق داخل العالم العربي إلا الفتات من الثروة العربية.
بدأت الكتابة في الصحافة الاقتصادية قبل نحو عشرين عاما. وأكثر ما أذكره من تشوهات العلاقات العربية في شقها الاقتصادي هو حجم التجارة البينية الذي "يصدمنا" كل عام بأنه يشكل 10 % فقط من إجمالي التجارة العربية مع العالم. ولا أعلم صراحة لماذا لا تتحرك هذه النسبة صعودا أو هبوطا! فهي ثابتة عند 10 %.
آخر أمنيات اتحاد رجال الأعمال العرب برزت في دراسة دعت إلى إنشاء منطقة استثمار عربية، وطالبت بجعل الوطن العربي منطقة سياحية واحدة. كما جددت طلب اعتماد الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال. أما الفتح العلمي الخطير في الدراسة فيأتي في التوصية التي سيرفعها الاتحاد لجامعة الدول العربية، ومضمونها "إن تسهيل حركة الاستثمارات العربية البينية يعتبر من أهم أدوات التكامل الاقتصادي العربي". وما يدعو للحيرة أن الدراسة ذاتها توصلت إلى "أن بيئة الاستثمار في معظم الدول العربية غدت طاردة للاستثمار، جراء عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في البعض منها"!
إذا كانت دراسة الاتحاد تذهب إلى أن 1200 مليار دولار من الفوائض المالية العربية تنشط في الأسواق العالمية، ويؤكد التقرير السنوي للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى الدول العربية هبطت إلى 44 مليار دولار العام الماضي، فما هي الأدوات السحرية التي يمتلكها الاتحاد -أو يراها- لجعل تدفق الاستثمارات الأجنبية أو حتى العربية قابلا للزيادة والاستمرار في منطقة تغلق فيها الحدود، ويتصاعد فيها عداد القتل يوميا، وتشهد تشرذما وانقساما وكراهية لم تعهدها منطقة أخرى في التاريخ المعاصر؟
تبلغنا مؤسسة "سويف إنستتيوت" بما هو أهم؛ إنه التصنيف الدولي الجديد لأكبر 20 صندوقا سياديا في العالم مع نهاية هذا العام، وبحيث يبلغ حجم المشاركة الخليجية في هذه الصناديق 35 % من إجماليها. ورغم أن الخسارة الخليجية تجاوزت 350 مليار دولار أثناء الأزمة المالية العالمية قبل سبع سنوات، إلا أن هذه الصناديق تعافت مجددا، وارتفعت موجوداتها وفقا لزيادة الفوائض المرتبطة بأسعار النفط في سنوات لاحقة.
الخلاصة هي أن العمل بالأدوات ذاتها التي أثبتت فشلها في الاقتصاد، يعني تكرار الفشل والوقوف عند ذات النسبة (10 %). وإذا كانت الجامعة العربية تحتضر بفعل انعدام التعاون والتكامل العربيين، وغياب إرادة الأنظمة العربية، فإن الأولى البحث عن مقومات أكثر متانة ومنطقية لصناعة اقتصاد يعبر عن ضرورات ومصالح، لا أحلام وعبارات إنشائية، مع الحرص على الابتعاد عن الهياكل المريضة التي لم تنتج إلا الخواء وتكرار الفشل.
(الغد 2015-12-22)