"اذهب وأنقذ القدس"!
قليل هم أولئك الذين يشهد لهم أعداؤهم وخصومهم، بخاصة عما قاموا به في أوقات الحروب. لكنّ الضابط الأردني عبدالله التل، هو من أولئك الذين حازوا على إعجاب قادة إسرائيل الكبار، أمثال ديفيد بن غوريون وموشيه ديان، بخاصة حينما يتذكرون حرب 1948 في مذكراتهم وتاريخهم لتلك المرحلة.
ليس ذلك فحسب، بل إنّ واحداً من المؤرخين الإسرائيليين، هو رونين إسحاق، خصص كتاباً كاملاً عن حياة عبدالله التل (ترجمه إلى العربية صلاح التل، نجل عبدالله التل، العام الحالي 2016)، يتحدث فيه عن حياة التل والترقيات الاستثنائية السريعة التي حصل عليها بسبب كفاءته في الجيش العربي، حتى عندما كان تحت القيادة البريطانية التي لا يتفق معها التل.
قيمة الكتاب التاريخية المهمة تتمثل في ذكر المؤلف لدور الجيش العربي الأردني في الحفاظ على القدس والضفة الغربية في حرب الـ48، بخاصة في القدس، وحجم العمل الذي قام به التل في القدس، ثم تعيينه حاكماً عسكرياً للمدينة، ومشاركته في المفاوضات السرية الأردنية-الإسرائيلية بعد ذلك، ولاحقاً هروبه إلى مصر وانقلابه على الملك عبدالله الأول، وما أثير عن دوره ومحاكمته على خلفية اغتيال الملك عبدالله الأول في المسجد الأقصى، ثم عودته إلى الأردن في العام 1965، وانخراطه في الدولة وتعيينه في مجلس الأعيان إلى حين وفاته في 13 آب (أغسطس) العام 1973 (أي إنّ ذكرى وفاته الـ34 تحلّ غداً السبت).
يتحدث الكتاب عن معركتين أساسيتين نجح التل فيهما بتكبيد الإسرائيليين خسائر فادحة، وتحقيق الانتصار. الأولى عشية حرب الـ48، عندما نجح في حصار مستعمرات "كفار عتصيون" على طريق الخليل- القدس، فقتل من الإسرائيليين 233، وأعدم 127، وأخذ 320 أسيراً.
والمفارقة أنّ معركة "كفار عتصيون" التي لا تكاد تذكرها كتب التاريخ العربي ولا تشير إليها من قريب أو بعيد، تحظى باهتمام خاص لدى القادة الإسرائيليين والمؤرخين هناك، ويعتبرونها نكسة عسكرية مؤلمة جداً. فيذكرها بن غوريون في يومياته، ومؤرخون آخرون مثل آفي شلايم، وجميعهم يشيرون إلى الدور المحوري الذي قام به التل في تلك المعركة.
أمّا المعركة الثانية، فهي معركة القدس في العام 1948، التي كادت أن تسقط بيد الإسرائيليين، قبل تدخل الجيش العربي. إذ لم تفلح القوات العربية غير النظامية، بخاصة "جيش الإنقاذ" هناك، في مواجهة اليهود ومنعهم من احتلال أحياء في المدينة العربية، فتدخل عبدالله التل بأمر مباشر من الملك عبدالله الأول، بعد أن شعر بتلكؤ غلوب باشا، إذ قال له الملك "اذهب وأنقذ القدس".
وفعلاً استطاع التل (الذي كان يقود الكتيبة السادسة في الجيش العربي) السيطرة على المدينة القديمة، وفرض حصاراً على الحيّ اليهودي فيها، وأجبرهم على توقيع اتفاقية الاستسلام، وأخذ منهم قرابة 290 أسيراً، وحمى المدينة القديمة من الوقوع في حرب الـ48.
في الأثناء، كان زميله ورفيقه حابس المجالي يقود كتيبته بنجاح في اللطرون للسيطرة عليها ومنع سقوطها بيد الإسرائيليين. وبذلك -وفقاً لمؤلف الكتاب رونين إسحاق- فإنّ التل والمجالي كانا "القائدين الوحيدين اللذين صدّا هجمات قوات "الهاغاناه" وغيرها خلال حرب الـ48"، على مستوى القوات العربية مجتمعة.
الكتاب مهم ومفيد في إضفائه مزيداً من الأضواء على الخلافات بين الملك عبدالله وباقي الحكومات العربية التي كانت تدعم الحاج أمين الحسيني، وعلى المواقف المتباينة بينهم، فيما يتعلق بالدور الأردني في القدس والضفة الغربية. كما أنّه يحلل بعمق الخلفية التاريخية العربية والدولية التي أحاطت بعملية اغتيال الأمير عبدالله، والأجواء التي سادت خلال عملية انتقال الحكم منه إلى الملك طلال، ثم إلى الملك الحسين.
(الغد 2016-08-12)