في الشام أهلي وبغداد «النَّوى»!!

قبل أن يكون لدينا كعرب كل هذه الاحزاب ذات الشعارات القومية والتي نكلت بنا وساوت بيننا في الهزائم والشقاء والذل لكنها كانت أقل عدلاً في توزيع الثروات، وقف المتنبي في شعب بوان ليقول بصوت شجي لأحفاد أحفاده بأنه كان غريب اليد والقلب واللسان، فلم يكن العربي في تلك الأزمنة يشك في نسبه الى الحدّ الذي يدفعه الى الانتساب الى زوج أمه الأرملة، ومن قال ذات عروبة غابرة في الشام أهلي وبغداد الهوى، كان أولى به ان يذكر كل هذه التضاريس الرمادية ليقول بأنه غريب فيها.. في الشام أهلي يحصون أيامهم ولياليهم بعدد قتلاهم، ومن أكلوا القراصية أو اطعموها لمن يحبون في باب توما لا بأس لديهم ان يشاهدوا مذابح الشام قرب المدافىء وهم يقشرون الكستناء، فالعربي الآن كالضفدع الاسترالي الذي لا يشعر بالألم الا اذا حزّ السكين رقبته، أو كالديناصور الذي انقرض لأن البرقيات العصبية لا تصل من بطنه المبقور الى دماغه.
أما بغداد الهوى فهي مسجاة كالذبيحة بين ماءين وأرض السواد لفرط خضرتها أصبحت صفراء، والخارج من منزله في شوارعها مفقود والعائد الى منزله مولود!
أما القائل وخلف الروم خلفك روم فلا أظن أنه نام حتى اليوم، فقد يكون ساهراً في قبره يقضم جذور النخيل، ويناوم رميم جيرانه في باطن الأرض.
اننا نودع رجالاً ونساء وأطفالاً ونخيلاً ومتاحف وعواصم، وكأن قدرنا هو ألا نكون أحراراً الا بين الأطلال، أما من يزعمون الانتصار من كل الاطراف فهم يستحقون الاشفاق والرثاء لأنهم لا يعلمون بأن الطفل الذي اقتتلوا عليه مات بين أيديهم، فكيف يطيق عرب الربع الساعة الأخير من ألفية لدغتهم في القلب أن يعيشوا بلا عراق وشام، وبلا دجلة وبردى، بعد ان سموا ماء الأول وتغرغروا وغسلوا موتاهم بماء الثاني؟
في الشام أهلي وبغداد النّوى لا الهوى، وأنا غريب في عقر داري، هذا ما يهمس به العربي المقهور والمدحور في زمن الانترنت والانتربول والانترناشنال.
كأن هؤلاء الذين يُذبحون بسكاكين عمياء ليسوا من صلبنا، وكأن هؤلاء الذين شاهدوا تماثيل المتنبي والفراهيدي والسياب تُغادِرُ القواعد الحجرية ليلاً ليسوا من جلدتنا.. أحيانا أشك في أن هناك عقاقير دست لنا في المعلبات والشاي والقهوة والمشروبات لمنع التحول والغضب وهي أسرع مفعولاً وأضمن من أية عقاقير لمنع الحمل!
في الشام لا أكاد أعرف أهلي من أعدائي في زحمة الموت بالجملة، وفي بغداد صار الهوى نوى ومسخ اسد بابل بعد أن امتطاه اليانكي الانجلوساكسوني وربما صار يموء، أما النخيل فبانتظار من يجيدون الصعود الى سعفه بعد أن اصبح التمر علقماً والمن والسلوى ملحاً منقعاً في الدمع!
( الدستور )