بالإمكان رسم صورة كاريكاتورية حول تركيبة مجلس النواب السابع عشر، التي أصابت المجتمع بخيبة أمل كبيرة، فبعد كل الحديث عن تطوير الحياة السياسية، نجد نوابا غالبيتهم من رجال الأعمال وتجار الأصوات الانتخابية ممن لا يحملون أية برامج سياسية، وقليل من ممثلي الأحزاب.
الانتخابات هذه المرة كانت نزيهة، وإرادة الناخب وليس المؤسسات الأمنية والرسمية هي من حددت تركيبة البرلمان، ومع ذلك خرجنا بنتائج محبطة، لا تنسجم أبدا مع تركيبة المجتمع الذي نتغنى جميعا بأنه واع ومتعلم.
تركيبة المجلس تضم عددا من الأشخاص الأكفاء، وإن كان عددهم محدودا، إلا أن المتوقع منهم تقديم خطاب مختلف، لكن ذلك لا يعني أن لديهم الإمكانية لإحداث التغيير حيال صورة المجالس النيابية في أذهان الناس، الأمر الذي سيتطلب أداء نوعيا وجهدا كبيرا.
لماذا جاءت التركيبة مخيبة للطموحات؟ وما هي الأسباب التي تقف خلف هذه التشكيلة النيابية؟
بالدرجة الأولى علينا أن نلوم الناخبين، فكل ما أفرزته الصناديق وضعته أيديهم، وكل الاعتراضات والانتقادات لأعضاء المجلس الجدد، تعود بالنقد على الشارع الذي لم يدرك بعد أهمية وجود مجلس نواب بنوعية مختلفة وطروحات جديدة، يمكن لها أن تساهم بتطوير الحياة البرلمانية؛ رقابة وتشريعا.
الناخب الذي نجا من بيع صوته نتيجة استشراء مال الانتخابات وأسلوب شراء الذمم الذي سكت عنه لوقت طويل، تجده يوجه صوته لابن عشيرته، أو منطقته، وهذا ما يكشفه ضعف التمثيل الحزبي في البرلمان الجديد.
اللوم ثانيا يقع على النخب السياسية التي نأت بنفسها عن العملية الانتخابية، ولم تشارك في الانتخابات ترشحا، ما زاد من فرصة شخصيات طارئة على تسيد المشهد، رغم أنها لا تملك برنامجا ولا رؤية إصلاحية أو سياسية.
أما السبب الأهم الذي أوصل المجتمع لهذه الاختيارات فيتعلق بقانون الانتخاب الذي قسم المجتمع لأصغر خانة عشائرية، وجعل الولاءات الصغيرة تنتصر على الانتماء والولاء للوطن.
القانون الذي يقلل من فرص الكفاءات من الوصول إلى القبة، أدى دورا كبيرا في جعل النخب تتنحى عن تحمل مسؤوليتها، وفضلت أن تراقب ما يحدث، دون أي فعل أو رد فعل، على المشهد السياسي بكل تفاصيله، وكأنها تحمي نفسها من سقوط مدو نظرا لتردي الحال وهزلية الصورة.
الغريب في الأمر أن طيفا واسعا من المجتمع سيبدأ بعد قليل بانتقاد أداء المجلس ويتبرأ منه ومن أفعاله، وسينسى أنه من أفرزه وأوصل أعضاءه للتشريع والرقابة نيابة عنه، فكيف يستوي الأمران؟
مع فقدان الولاية العامة للحكومات، والسيطرة على المجالس النيابية، يبدو أن الناس استمرأوا الخطأ والاستثناء، وظنوا أنه القاعدة، فبلغنا ما بلغناه من ضياع للقيم والهوية، نتيجة سنوات من التخبط.
لا يفرح أحد بهذه النتائج ولا حتى النواب الجدد، ولا الحكومات التي ترتاح لوجود مجالس نيابية هزيلة وغير حزبية، ولا الناخبون ممن ظنوا أنهم حققوا انتصارا بإيصال هؤلاء النواب إلى المجلس، فكلنا خاسرون.
تطور الحياة السياسية وصناعة النخب، بحاجة إلى قوى نيابية وحزبية سوية، وما عدا ذلك فلن نقدر على المضي بخطى واثقة للمستقبل.
الاعتراف بالذنب فضيلة، فدعونا نعترف أننا أخطانا بحق أنفسنا. ( الغد )