ولد الهدى فالكائنات ضياء..

جاءت ذكرى مولد النبي العظيم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسلم في حمّى الانتخابات البرلمانية، ولذلك لم أرغب بالحديث عن هذه المناسبة والعقول منشغلة ومنصرفة إلى شأن محلّي ساخن ممّا يقلل من الالتفات إلى عمق المعاني التي يجب استذكارها في هذه المرحلة من عمر البشرية التي تعاني من الاستغراق في الحياة المادية المتوحشة، والتكالب على المتاع الفاني الذي تطور إلى حروب دامية، ومعارك مستمرة وقتل بالجملة، وتشريد للملايين، وانتشار المجاعات، والتفكك الاجتماعي وضياع الأسر. ويدفع الثمن الغالي شريحة واسعة من الأطفال الذين تتفتح عيونهم على هذه الدنيا البائسة.
المعنى الأول والأهمّ يتجلّى في سر الاختيار الرباني للرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكون عربياً وأن تكون اللغة العربية هي لغة الوحي وأن تكون أرض العرب منطلقاً للهداية والتحرير؛ ممّا يدللّ حتماً على الدور الحضاري الفاعل والواسع للعرب في الحياة الإنسانية، ويدلل على دورهم المستقبلي القادم في قيادة البشرية، رغم فترة الضعف والتفكك التي يمرون بها في هذه اللحظة الحرجة، ورغم التراجع الذي أصاب مكانتها خلال القرن المنصرم وبداية القرن الحالي، إلاّ المرحلة القادمة ستشهد نهوضاً عربياً حضاريّاً متميزاً قادراً على ردم الفجوة الحضارية وقادراً على استعادة زمام المبادرة.
الإسلام الذي جاء به الرسول العربي "محمد" صلى الله عليه وسلم، هو الدين نفسه الذي جاء به الرسل من قبله من لدن آدم عليه السلام، ولذلك فإنّ الإسلام لا يحمل الكره والبغض لأي نبي أو رسول سبقه، بل يجعلهم جميعاً إخوانه في النبوة والرسالة والعقيدة، ويفرض الايمان بهم وما أنزل عليهم بالنص الواضح القاطع القائل {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحدٍ من رسله}؛ فالإسلام يدعو إلى التقارب والتعاون والحوار على كلمةٍ سواء، ويريد الإسلام أن يبني المجتمع البشري الذي تسوده قيم الإيمان، الخيّرة الرحبة النبيلة التي توحّد ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتبشر ولا تنفر، وتعلي شأن الفضيلة، وتصون الكرامة وتحفظ الدم والعرض والمال، وتمنع الظلم والعدوان والإكراه والسلب والنهب والإيذاء بكلّ أنواعه وأشكاله.
المهمّة الأولى للرسول محمّد صلى الله عليه وسلم بناء العقل الإنساني بناءً سليماً؛ من خلال تزويده بالعلم النافع المفيد وتزويده بطريقة التفكير السليم، وطرق الحصول على المعلومة، وتحريره من الخرافات والأساطير والتقليد الأعمى، وحضّ العقل على الانطلاق في الكون الفسيح من أجل النظر والتفكر والتدبر والاكتشاف والاستثمار والإعمار، والبحث عن البراهين والأدلّة، وامتلاك القدرة على الربط والمقارنة والفكّ والتركيب والإبداع والابتكار.
المهمّة الثانية تتلخص ببناء الخلق وصياغة الوجدان، وإكمال بناء الشخصية المعنويّة التي تبدأ من معنى إدراك الكرامة الآدمية التي تعلو فوق كلّ قيمة، من أجل سيادة الخلق العظيم يعلو بالإنسان إلى مراتب السموّ من خلال تمثل صفات الحسن والجمال الإنساني التي تقوم على الصدق، والوفاء بالعهد، والصبر على المكاره، والشجاعة والكرم، وتقديم العون للآخرين وحب الخير للناس وايثارهم والسير في حوائجهم، والتواضع وخفض الجناح، وحسن المعشر.
المهمة الثالثة تتجلّى ببناء المجتمع المتراحم القوي المتماسك، الذي تسوده قيم الرحمة والمودة والتسامح والتغافر، والتعاون على البرّ والتقوى، والتعاون على نبذ العدوان والإثم، والحضّ على إفشاء السلام، وزيارة المريض، وتلبية الدعوة، وبشاشة الوجه، وإزالة الأذى عن الطرقات، والتفسح في المجالس، والحض على نظافة البدن والقلب، والمظهر والمخبر، ونظافة البيت والفناء، ونظافة الشارع والطريق، ونظافة اليد واللسان، ونظافة المال والمتاع ونظافة الماء والسماء ونظافة الأرض والكون.
المهمّة الرابعة إرساء قواعد البناء التشريعي الذي يقوم على إرساء قيم العدالة وإقامة الميزان بالقسط، وحفظ الحقوق وصيانتها، وإرجاعها إلى أصحابها مهما طال الزمن، ومحاربة الظلم والعسف، ومقاومة الغلوّ والشطط ونبذ الإكراه، وتقديم المصلحة العامّة على المصلحة الشخصية والخاصة، وتعظيم قيم العمل والإنتاج وحفظ الموارد وصيانة المقدرات العامّة والمال العام، وحفظ حقوق الضعفاء والأقليّات، وحفظ الحريّات العامّة والخاصّة.
المهمّة الخامسة إرساء قواعد النظام السياسي الذي يقوم على ركيزة أنّ السلطة للأمّة، ولا سبيل إليها إلاّ بالاختيار من الأمّة التي تتشكل من مجموع العقلاء والمكلفين، وما الحاكم في عرف الإسلام إلاّ خادم للأمّة وأجير عندها ووكيلٌ على مصالحها العامّة والخاصة، وفرض الشورى على الحاكم الذي تمّ اختياره، وفرض المساواة حقاً لجميع الناس في أصل الخلقة، وفي التكريم الآدميّ، والمساواة أمام القانون والوظائف العامّة، والمساواة في الحقوق والواجبات، والمساواة أمام الخطاب التكليفي العامّ، والمساواة بين الرجل والمرأة في كلّ ما سبق.
والمهمّة السادسة إرساء قواعد التعاون بين شعوب العالم وأمم الأرض والحوار بين الثقافات والحضارات على تحقيق المصلحة العامة المشتركة التي تؤدي إلى إقامة السلم العالمي، وحفظ الحياة الإنسانية وصيانة الكون وموارده، ورعاية جميع المخلوقات وحقها في الحياة والحرية والعيش بأمن ورخاء. ( العرب اليوم )