حكاية الفتى محمد كريستي!!

انها حكاية فتى مصري، لم يكن قد ولد خلال العدوان الثلاثي على مصر ولم يكن والده قد ولد عام 1919 عندما شهر المصريون شعاراً وطنياً خالداً يؤاخي بين الهلال والصليب ويتبادل الامام والقس المحراب والكنيسة لمخاطبة الناس وهم يسعون نحو استقلالهم.
اسم الفتى محمد، وأحس مبكراً بأن هناك بومة تنعب في الأفق وتنذر بتشظية النيل وصب مائه في جرار وزجاجات كي يفقد عنفوانه وتياره الدافق، فذهب الى ما هو أبعد من شعار ثورة عام 1919، وسمى نفسه محمد كريستي، ليختزل في هذا الاسم المركب الوحدة الوطنية بكل كثافتها، ولا أظن هذا الفتى قرأ الصوفي محي الدين بن عربي أو حتى سمع به، ذلك الرجل ذي القلب الشاسع الذي اتسع للأديان، لكنه فعل ما تكلم عنه ابن عربي ومارسه ميدانياً، لتكون رسالته الى مسلمي مصر وأقباطها أنهم اسمان لجسد واحد، وعنصران مكونان لنسيج ديمغرافي واحد، وأنهما قتلا معاً ذات عدوان في خندق واحد، وشربا واغتسلا وغرقا أيضاً في نهر واحد.
ما فعله هذا الفتى أبلغ من مئات الندوات التي تثرثر بها الفضائيات على مدار الساعة وأشد فاعلية وتأثيراً من كل المواعظ حول وحدة الوطن، والرّد على ما يحاك ضده من دسائس من أجل تقسيمه ليعيش كل جزء فيه برئة واحدة وعين واحدة وكلية واحدة. فالمطلوب الآن أن ينشطر العالم العربي أميبياً ليصبح دودة شريطية ملقاة على شاطىء البحر المتوسط والمحيط الاطلسي، وبالتالي يدخل في حروب بينية تعفي أعداءه مؤونة القتال لأنه ينوب عنهم في الانتحار والاجهاز على الذات.
ولم يقرأ هذا الفتى ما كتبه اللورد كومر عن مصر والسودان أو ما قاله المستشرق برنارد لويس عن تقسيم مصر الى خمسة أقاليم، لكنه استشعر بالفطرة الوطنية السلمية هذا الحظر فقرر أن يكون محمداً وكريستي في آن واحد وفي جسد واحد وبلسان وقلب واحد.
لكن لا بد أنه سمع ما يقال عبر الفضائيات المسلحة بالايديولوجيا ومعجم التحريض عن تقسيم بلاده وزجها في حرب أهلية تأتي على ما تبقى، لهذا أيضاً قرر الرد بطريقته، ولم يسبق له أن كتب مقالاً في صحيفة أو استضيف في فضائية لأن الفضاء يحتكره ثرثارون ومتخصصون في فقه الخوار لا الحوار، وبالمناسبة فان الخوار هو صوت الثيران بلغتنا!.
انه من جيل قادم من المستقبل ومحرر من ضغائن الكيدية والطائفية والخصخصة القومية، فليس له ولأمثاله ناقة أو جمل أو حتى فراشة في حرب أهلية، ولهذه الأسباب قتل محمد كريستي في القاهرة برصاصتين، واحدة لمحمد والأخرى لتوأمه كريستي!!.
( الدستور )