المعمل الأميركي لتصنيع مدخلات الظاهرة الإرهابية

إذا شاء المرء أن يبحث عن العوامل الجوهرية الرئيسة، التي أفضت إلى انفلات عقال الوضع في الشرق الأوسط، وإنتاج كل هذه الظواهر السلبية في معظم أنحاء هذا الإقليم سريع الاشتعال، بما في ذلك الحروب الأهلية والتطرف والإرهاب، فإنه لن يحتاج إلى إعمال العقل كثيراً، كي يكتشف سريعاً أن هناك أسباباً ذاتية، وأخرى موضوعية، أسهمت كل حسب وزنها، في انفجار كل هذه الأزمات المتلاحقة، وسفك كل هذه الدماء، وحدوث كل هذه الانهيارات المدوية.
غير أن واحداً بعينه، من بين كل هذه العوامل التي خلقت كل هذه الفوضى الإقليمية العارمة، كان في حد ذاته الرافعة الكبرى لهذا الاضطراب المتعاظم، وهو عامل التدخل العسكري الأميركي الفظ، وما نجم عنه من انقلاب في الموازين، وتحطيم للتوازنات، وبعث للفتن والعصبيات، وغير ذلك الكثير من التداعيات والهواجس والمضاعفات، تماماً على نحو ما يقصه علينا ببلاغة شديدة، اجتياح العراق العام 2003، وتفكيكه بكل رعونة ورغبة في الانتقام.
ومن المفارقات الفارقة، أن عامل عدم التدخل الأميركي في الآونة الأخيرة، وإحجام إدارة الرئيس باراك أوباما عن أخذ زمام المبادرة في الوقت المناسب، لكبح جماح انزلاق هذه المنطقة إلى أتون الحرب والاقتتال، كان السبب الأول أيضا وراء تفاقم سائر الأزمات الناشئة، وتحولها إلى كارثة مروعة وشاملة، وذلك على نحو ما ترويه لنا الحالة السورية الراهنة، منذ أن أدارت واشنطن ظهرها لمعاناة ملايين السوريين، وتركتهم نهباً لكل أدوات البطش والدمار والقتل على مدى نحو أربع سنوات داميات.
وإذا كان هذان المثلان الحسيان غير كافيين لتحميل أميركا حصتها الكبرى من المسؤولية عما آلت إليه حال هذه المنطقة، خصوصاً منذ اجتياحها بلاد الرافدين، فإن لنا أن نأخذ مثالاً أكثر ملموسية على جسامة هذه المسؤولية، ونعني بذلك كل هذه العدمية السياسية الأميركية إزاء القضية الفلسطينية، لاسيما في تجلياتها الأخيرة داخل جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة، ناهيك عن تلويحها بفرض عقوبات مالية وسياسية على السلطة الفلسطينية، إذا ما واصلت هذه الأخيرة طريقها إلى المحكمة الجنائية الدولية.
فما هي الرسالة المكتوبة بالبنط العريض، التي تود الدولة العظمى الوحيدة بثها لكل من يخاطبهم هذا الدفاع المستميت عن آخر احتلال على وجه الأرض، إن لم يكن مفادها الحث على التطرف، والهرولة إلى عوالم العنف والإرهاب، والتماثل وجدانياً، وربما عملياً فيما بعد، مع أشد ما يستفحل بين ظهرانينا من ظواهر ظلامية في هذه الآونة؟ وإلا، فما الذي يتبقى للمقهورين والمهانين من سبل بديلة، وما الذي يدعوهم إلى التمسك بأهداب الاعتدال والواقعية، إذا كان الأمران عند واشنطن سواء بسواء؟
صحيح أن الولايات المتحدة تبدو آمنة مطمئنة لانتقاء رد فعل غاضب من جانب النظام العربي الذي حملته حملاً على الانضمام إلى تحالفها ضد الإرهاب، وغير آبهة لحرج حلفائها العرب والمسلمين مما تلحقه بهم من هوان، وهي تفضل عليهم إسرائيل عند كل اختبار لسياستها الخارجية. إلا أن من الصحيح أيضاً أن شعوب هذه المنطقة، التي امتلأت نفوس أبنائها بالمرارة جراء كل هذه الاستهانة الأميركية المتواصلة، سوف تجد نفسها في نهاية المطاف عرضة لغواية التطرف، ومرتعاً خصباً لثقافة الغلو والشطط، وهو ما يفسح مجالاً أوسع فأوسع أمام انتشار "داعش".
هكذا، تبدو الولايات المتحدة، وهي تبدل تحالفاتها القديمة، وتقع في حب طهران من جانب واحد، حيث تغمض عيونها الإلكترونية الحادة عن تدخلات آيات الله في العراق وفي سورية، وتصمت على تمددهم في اليمن، وتتحدث باللغة الفارسية ذاتها إزاء البحرين مؤخراً، ولا ترعوي عن تهديد الفلسطينيين إرضاء لحليفتها المفضلة إسرائيل، نقول تبدو واشنطن بنهجها الذي لم يعد مريباً، كمن يضع دليلاً لكيفية تخليق التطرف، وتصنيع الإرهاب في المنطقة وزيادة جاذبيته، إن لم نقل تهيئة أفضل بيئة مناسبة لتحضير مزيد من "الدواعش" في بلادنا، وتسويغ منطقهم المستمد من عوامل التهميش والإقصاء والمظلومية.
إزاء ذلك، يمكن القول بلا انفعال إن سياسة أميركا الشرق أوسطية باتت بمثابة معمل لإنتاج المدخلات اللازمة لتصنيع ظاهرة الإرهاب، ومدها بعناصر اليأس والقهر الملائمة لاستنبات هذه الظاهرة وتبريرها.
الغد 2015-01-06