سطور لها حضور لغتنا ليست بحاجة لقرار قمعي

في الشهر الماضي جرى الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية (18 /12 /2014) وأبدى العديد من الغيورين على لغتنا الجميلة والخائفين عليها من الضعف أمام تعدي اللغات الاجنبية وتسلل العامية الى صفوفها ! ولقد تعاطفت معهم إلا أنني لم اشاطرهم كل هذا الخوف والتوجس الذي يشي في رأيي بضعف الايمان بلغة حية وراءها تاريخٌ حافل من الانتاج الغزير في مجال الآداب والعلوم ساهم مع اللغات الأخرى في كثير من النهضات البشرية.. كما أسفتُ لأني وجدتهم في غمرة التفجع على ما ينتاب لغتنا ويعيق تطورها يتسرعون في اطلاق احكامهم بدل التأني والتأمل والتمحيص من اجل معرفة الاسباب الحقيقية واقتراح الحلول النافعة بروح من الفهم الديمقراطي للغات الاخرى كشريكة في المسيرة الانسانية وذلك بالاعتراف الصادق باخطائها ومواطن ضعفها حتى يمكن اصلاحها أو تفاديها، وبالتخلي عن تقديسها كأنها اللغة الوحيدة ذات المكانة الرفيعة في نفوس اهلها، فكل لغات الدنيا يحبها ذووها ويحترمونها، بما فيها تلك التي اندثرت وغابت مع مرور الزمن ولم يستطع التقديس أن يحميها كما توهم بعضهم، لا بل كان احياناً من اسباب تفككها وانهيارها حين حال دون تطويرها وإدخال التعديلات الضرورية لبقائها واللازمة لاداء دورها في التواصل بين الأمم كما فعلت باقي اللغات الحية..
أما انفعال البعض منا في دفاعهم عن الفصحى باتخاذ موقف الهجوم على العامية، فلم أكن راضيا عنه وطالبتهم على الأقل أن يعيدوا قراءة القصائد الشعبية الرائعة التي نظمها بالعامية شعراء كبار من امثال مظفر النواب(العراق) واحمد رامي (مصر) ومنصور الرحباني (لبنان)، وأن يتذكروا كيف اصبحت انغاماً حلوة يرددها ويطرب لها الناطقون بالعربية في كل اصقاع الارض.. ولقد كتبت قبل اربعة عشر عاما (16/ 11/ 2000) سطوراً لا يزال لها حضور يستحق الاستعادة والاستذكار أقتطف منها ما يلي: ( لا أغالي اذا قلت اني احب لغتي العربية الفصحى الى درجة العشق، لكنني مع ذلك لا اكره العامية ولا أنكرها ولا أناصبها العداء، فهي المحكية بين الناس كل ساعة وكل دقيقة وهي المنطوقة بأساليب متعددة ولهجات متباينة لا تختلف بين قطر عربي وآخر فحسب بل بين مدينة ومدينة وأحيانا داخل البيت الواحد! وهذا لا يعيبها ولا يقلل من اهميتها فهي نتاج واقع اجتماعي وثقافي وسياسي وهي جزء من تراث تطور وتبدل عبر الاف السنين وهي المسكينة لا تتعدى على الفصحى بل تتقرب منها وتستنجد بها كلما وجدت نفسها عاجزة عن التعبير عن معنى من المعاني وتزداد قدرة وكفاءة كلما ارتفع مستوى التعليم وتوسعت مدارك الذين يستعملونها )... (بين فترة وأخرى تشتد المطالبة بضرورة التخلص من العامية حتى تتربع الفصحى وحدها على الساحة، وأظننا ما زلنا نتذكر القرار العاطفي المتسرع الذي اصدره مؤتمر الاعلاميين في القرن الماضي (أي 1999) بالكف تدريجيا عن استخدام العامية في وسائل الاعلام وتخيلت يومها كيف يكون حال التلفزيون والاذاعة لو اقتصرت المسلسلات والمنوعات على الفصحى فقط، وكيف سنحرم من الطرب على الاغاني الجميلة لانها بالعامية ! وقد فشل القرار لانه لم يكن واقعيا ولا مشروعا فالفصحى ليست بحاجة الى قرار سلطوي قمعي حتى تستقر على عرشها بل ستظل محتفظة بمكانتها وقدرها كما كانت عبر تاريخها الطويل، ولسوف تقترب العامية منها شيئا فشيئا لتغتني بكنوزها، وبالمقابل وكرد للجميل ودون اخلال بقواعد الصرف والنحو نجد العامية احيانا تعطي للفصحى بعض ما عندها من مفردات لها طلاوتها وليونتها وعفويتها وخفة دمها.. ).
وبعد.. فلغتنا سوف تكون بخير وهي ترافقنا (حرةً) في معركة البناء والتقدم.
الرأي 2015-01-06