العقل واللاعقل والاقتصاد

مع انتقاد الثورة الصناعية البرجوازية وتصنيفها للإقطاع بأشكاله المختلفة، وتأسيس الدولة القومية البرجوازية الحديثة "دولة الملوك او الرؤساء" المناوئين لسلطة البابا والاقطاع الكنسي، تكرست مناخات وأشكال حديثة أبرزها العقلانية والعقد الاجتماعي المدني للحكم.
وكان السياق العام لذلك ما عرف بالمعادلة الاقتصادية – الاجتماعية "سلعة – نقد – سلعة"، بيد ان التحولات التي طرأت على الرأسمالية وحولتها الى نظام امبريالي "امبراطوري حديث"، وحولت معها المعادلة السابقة الى معادلة اخرى "نقد – سلعة – نقد"، انعكست سلبا على إنجاز الثورة البرجوازية الصناعية فيما يخص "العقل"،
فدخل العالم ما عرف بمرحلة ما بعد العقل حينا واللاعقلانية حسب لوكاتش ومدرسة فرانكفورت حينا آخر.
وكان اكثر من انتبه لهذه التبديات الجديدة للامبريالية بالاضافة لصاحب "الديالكتيك الجديد" ماركس هو الفيلسوف الالماني، شبنغلر، الذي تنبأ او توقع مبكرا تحول الرأسمالية الى اشكال من الهمجية العليا، وهو ما تابعه الفيلسوف الامريكي، هربرت ماركوز.
ومن مفارقات ذلك، ومقابل ترافق الهمجية العليا في الشمال مع تقدم البعد المالي والنقد والاستثمار في المعلوماتية والاتصالات على حساب الماكينات والصناعة، فقد بدأ جنوب العالم ومنه الوطن العربي يعيش حالات من التفكك وانهيار الطبقة الوسطى والانفجارات الطائفية والانحطاط بالعقل الى مستوى الغرائز والاحتقانات المذهبية المريضة الموتورة، فيما يمكن اختصاره بالهمجية الدنيا..
هكذا ومقابل امبريالية متقدمة ومتجاوزة للعقل نفسه، يعود الشرق الى القرون الوسطى برعاية العقل "المستقيل" او العقل المصادر باسم التكفير والاقصاء المتبادل مع الشمال من جهة، وفي مواجهة نظائره في الجنوب، من جهة ثانية.
(العرب اليوم 2015-05-31)