معنى أنْ يدخل الاتفاق النووي.. حيز التنفيذ!

بانتهاء مهلة «التسعين يوماً التي حددها اتفاق فيينا بين ايران ومجموعة 5+1 الذي تم توقيعه في 14 تموز الماضي، وتبني الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي الاطر القانونية تمهيداً لتعليق العقوبات على ايران، يمكن القول ان «قطار» رفع العقوبات وتطبيع العلاقات (رغم كل ما يقال اميركيا واوروبيا) قد انطلق، ولم يعد السؤال يبدأ بـ «هل»؟ ولكن الجميع ينتظر منتصف شهر كانون الاول الوشيك، حيث هو الموعد المحدد لنشر مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكو امانو، استنتاجاته «النهائية» في ما يتعلق بتنفيذ ايران لالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، فضلاً عن تطبيق طهران «البروتوكول الاضافي» في معاهدة حظر الانتشار النووي..
ثمة حماسة وقبول من الأطراف كافة للسير في الاجراءات المطلوبة وفق الاجندة الزمنية التي تم الاتفاق عليها في وثيقة فيينا، التي شكّلت في حد ذاتها انقلاباً في المواقف وخلطاً كاملاً للأدوات والمعادلات الاقليمية، حيث راهنت عواصم عديدة (أغلبها عربي) على فشل المحادثات الماراثونية التي بدأها الافرقاء وخصوصاً بعد ان شهدت المرحلة الاخيرة لانتهاء آخر تمديد (اضافي) للمباحثات، مساومات حادة وتشدداً بدا للجميع انه كفيل بانهيار المباحثات وعودة الأمور الى نقطة الصفر، بكل ما يمثله هذا التطور الخطير (لو حدث) من احتمالات لانفجار المنطقة ودخولها في اجواء حرب لا يعلم احد متى تنتهي، ناهيك عن اكلافها وتداعياتها..
انتصرت في النهاية البراغماتية، وكانت حسابات الاطراف كافة، دقيقة وغير متسرعة، راعى فيها المتفاوضون الظروف الاقليمية والدولية وخصوصاً في اقتناع الجميع بأن نجاح المفاوضات لا يكمن في دفع ايران الى الحائط وتدفيعها «وحدها» ثمن البضاعة، في الوقت ذاته الذي ادركت فيه طهران ان بقاءها في مربع الرفض والعناد لن يجلب لها الهدوء ولن يسهم في رفع العقوبات، بل ربما يمنح أشرِعة واشنطن ولندن وباريس وخصوصاً تل ابيب رياحاً جديدة وقوية، تُبرّر لبعضهم «مغامرته» بشن حرب على ايران، قد لا تكون نزهة، الا انها ستكلف طهران والشعب الايراني الكثير وهذا ما لا ينسجم وقناعات الثنائي المعتدل (حتى لا نقول الاصلاحي) الرئيس روحاني والوزير ظريف، ما أدّى في النهاية للتوصل الى صيغة لم يتردد كثيرون في وصفها بأنها جاءت في اطار معادلة (رابح – رابح).
ما لفت الانتباه في الانباء التي تحدثت عن تَبنّي واشنطن وبروكسل (الاتحاد الاوروبي) الاطر القانونية استعداداً لتعليق العقوبات على ايران، هي التصريحات المتلعثمة (ولكن الملتزمة تطبيق الاجراءات الضرورية) التي اطلقها مسؤولون اميركيون واوروبيون وخصوصاً الرئيس اوباما الذي قال: ان هذا اليوم مهم لنا جميعا، ومرحلة اولى حاسمة في العملية الهادفة للتأكد من ان البرنامج النووي الايراني.. سلمي بحت. فيما لفت مسؤول اخر الى ان موعد التعليق الفعلي يبقى «رهناً» بوتيرة التزام الايرانيين بما يعنيهم من الاتفاق، اما وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديركا موغريني فكانت اكثر دقة ووضوحاً عندما قالت: إن هذا القانون (تقصد رفع العقوبات) سيدخل حيز التنفيذ في «يوم التطبيق» الذي سيتزامن مع تأكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التزام طهران بتعهداتها النووية.
نحن اذا امام فاصل زمني «قصير» ليس الاّ، بعد ان أُزيلت كل العقبات، وتم تهيئة الاجواء والاستحقاقات القانونية والتشريعية (موافقة البرلمانات وخصوصاً الكونغرس الاميركي ومجلس الشورى الايراني) ما يشي بأن الامور سائرة نحو نهاياتها المتوقعة، اللهم الاّ اذا حدثت مفاجأة او اندلعت حرب شاملة حالت دون مُضّي الاتفاق نحو خواتيمه المأمولة، وهو امر يبدو مستبعداً حتى الآن، رغم طبول الحرب التي تُقرع في المنطقة والاجواء المحتقنة والسماوات المزدحمة بالطائرات المقاتلة والقاذفة، فضلاً عن العداء وارتفاع منسوب الكراهية بين العواصم المؤثرة في المنطقة وخصوصاً تلك التي رأت في اتفاق فيينا خسارة صافية لها، فيما بدت أسهم طهران وقد ارتفعت، ودورها الاقليمي وقد تعاظم، ناهيك عما يمكن توقعه من دخول علاقات واشنطن وطهران مرحلة التطبيع ولو البطيء أو الخجول، رغم كل ما تحمله تصريحات الجانبين من تشدد او تشكك او غموض..
ثَمّ مسألة أخرى، ذات خصوصية لافتة، وهي هذا الغياب العربي المُسربل بالصمت والسلبية، ازاء ما جرى ويجري منذ التوقيع على اتفاق فيينا، حتى بدء تطبيق الاطر القانونية من قِبَل واشنطن وبروكسل، دون بروز اي محاولة عربية لجس نبض الايرانيين ازاء المرحلة المقبلة، ومستقبل العلاقات معها (كل قُطْرٍ على حدة، وليس بالضرورة في شكل جماعي حيث لا موقف عربياً موحداً ازاء اي قضية في وقتنا الراهن)، ما يعني ان الذين فرضوا علينا التزام مقاطعة ايران تحت طائلة المسؤولية، هم انفسهم الذين يتقربون من طهران ويخطبون وُدّها، فيما نحن بقينا على «العهد» نُقاطع ونعادي ونهدّد، ولم يلتفت احد منا الى مصالحه او على الاقل تجنيب نفسه وشعبه دفع أثمان مواجهات الكبار وحروبهم.
(الرأي 2015-10-21)