كيف السبيل لجمع ذرات الطحين ، والريح تنثرها هباءً في جنون !
الوطن العربي بأسره يعيش على فوهة بركان مجلجل ، حيث نشهد اشتعال منطقة تلو أخرى ، فلا تلبث أن تهدأ إحداها حتى تنفجر الأخرى ليكون المواطن العربي ضحية كرات النار المشتعلة ، فلا الذي انتصرت ثورته وتخلص من حكم أنظمة الطغاة نال الطمأنينة ، ولا الذي ما زال في معركته في سبيل نيل حريته عاش السلام وتذوق السكينة .
يبدو أن حلم المواطن العربي في حياة كريمة داخل وطنٍ تسوده العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية هو مخاض عسير وحلمٌ صعب المنال وإن كان غير مستحيل .
وبنظرة خاطفة من أي منا لخارطة الوطن العربي ، فإنه يدرك أن أهدافنا في الوصول إلى تحقيق مستقبلٍ أفضل شبه مستعصية وبحاجة إلى الكثير من التضحيات، بعد أن نشأ جيل الغد وصُناع المستقبل على هذا الكم الكبير من الإحباط والحقد والكره والموت والدم والظلم والجوع والدمار.
فها هو الشباب العربي يقف في طوابير طويلة لساعات عديدة على أبواب السفارات الغربية ، يقفون زرافات زرافات ، يشحذون جوازات سفرهم الوطنية لالتقاط تأشيرات خروج يغادرون بها مساقط الرؤوس إلى غير رجعة ، ولسان حال أحدهم يقول حتى عن نفسه " إلى حيث ألقت " .
وها هم بعض حملة الشهادات العليا منهم يعملون في غسل الصحون وتنظيف المراحيض ومحطات البنزين في دول الغرب ، غايتهم العظمى أن يحصلوا على الجنسية الأميركية أو الأوروبية وبأي ثمن .
لماذا تكون الفرص الثمينة في البلدان العربية المختلفة من حصة أصحاب الجنسيات الأجنبية الغربية - بغض النظر عن كفاءتهم - فتُفتح أمامهم الأبواب والفرص والامتيازات ، في حين تُغلق في وجه أشقائهم العرب الذين هربوا من الظلم والقمع والقهر الذي يعيشونه في أقطارهم ليحيوا ظلماً وقهراً من نوعٍ آخر ؟؟ .
أجيالنا العربية تشهد على رحيل ساركوزي عن سُدة الحكم، واعتلاء أولاند منصب الرئاسة في فرنسا وفق انتخابات نزيهة وشفافة دون أية آثار عنف أو قطرة دم .. وهلمجرا .. وها هي تستمع إلى خطاب ميت رومني يُهنئ أوباما على فوزه بالولاية الثانية لحكم الولايات المتحدة ، وترى هذا الأخير يبذل ما في وسعه في سبيل إرضاء الشعب الأميركي وتحقيق التقدم والازدهار لدولته وشعبه ، ها أنت ترى ذلك فتغتاظ وتغار ، نعم تغار من كل عقلك وملء كيانك ..
أي " سوبر جلو " هذا الذي اخترعه العرب متفوقين به على الغرب الذي سبقنا بسنين ضوئية في كافة مجالات الحياة العلمية والعملية، بحيث يكون التخلي عن كرسي الرئاسة كارثة كبرى ..
كيف يُعقل لهذا الجيل أن يصدق ويستوعب أنه من الممكن تحقيق هدنة بين شعب وعدوٍ محتل ، ويتم التوافق عليها والالتزام بها، بينما لم يستطع رئيس دولة – فاقد لشرعيته – أن يلتزم بهدنة مع أبناء شعبه في عيد الله ، فقتل وقصف ودمر وطناً بأكمله وشرد وولغ في الدماء والابدان ؟؟ .. .
من العار علينا كأمة عربية وشعب عربي يشهد هذه المرحلة التاريخية الحرجة، أن نسمح - بحسب سياستنا ومصالحنا - أن نتضامن مع هنا ولا نبالي بهناك ، وكأن المجازر لا تقع في البقعة نفسها من الأرض وفي اليوم ذاته.
كيف نسمح للسياسة أن تتفوق على الإحساس بالإنسانية ؟؟ .
إن التعامل اليوم مع المآسي العربية لا يجب أن ينحصر في إطار التضامن والخطب الرنانة ، بل إن على الحكومات العربية الجديدة ومجتمعات ما بعد الثورة أن تتخذ مواقف سياسية أكثر فاعلية وواقعية من كذب " الممانعة " الذي بات مفضوحاً ومرفوضاً.
تتشتت الأفكار أحيانا بفعل تشتت الأقطار والمواقف ، ولكن الأهم : أن نكون خير أمة أخرجت للناس كما أرادنا ربنا ، ولكني استذكر قول الشاعر : كيف السبيل لجمع ذرات الطحين ، والريح تنثرها هباءً في جنون " ؟؟ .